
يأكلها السوس منذ نصف قرن لكنها لا تزال قائمة تعاند الريح يسمع فيها صوت السوس ينخر. خشخشة لطيفة لكنها دائمة كالهواء من حوله. يقول في لحظات المجد السوس بعض الطريق لكني منتصر عليه. ويمضي في سبيله لكن لحظات الحقيقة يسمع صوت عظامه بين اسنان السوس. فيرتد طفلا ليتنفس. زمن السوس تصير الطفولة مأوى آمنا بلا خشخشة. يطيب له الشباب في خشبته. صلبة عنيدة منتصبة في الطفولة. يجد أمه ويتنفس ريحها ولا يجد الأصدقاء.
لم يكن الأصدقاء إلا خطوة في الطريق وقد جاؤوا بعد ريح أمه وأبيه. بعضهم أسند خشبته ردحا وبعضهم دق فيها مسامير ليعلق معطفه المغبر من وحل طريقه إليه وبعضهم وهَمَ سَقْيَ الخشبة فبلل أطرافها فتحللت. بعض الصداقة سوس في الطريق وبعضها مسامير وبعضها خشب آخر يؤنس سوسه سوس عظامه فيستمعان إلى خشخشة واحدة في خشبتين. ويتأملان وكانت النساء سوس آخر ومسامير وحلم بورق أخضر على عود يابس ولكنه لم يفقد الأمل قد تزهر الخشبة رغم المسامير والسوس والخشخشة.
يعطي أسماء للأشياء وللأشخاص كي ينجو من فضول الأغبياء فالكثير يمرون على الكلام ليبحثوا في شغف عن الورق في عوده يقولون كل نص سيرة وفي كل حدث حقيقة لكل ورقة اسم فمن تكون الورقة الخضراء على يمين الخشبة ومن المصفرة على يسارها؟ الفضول الغبي سوس يتجاوز الخشة إلى نخر الروح وله مناشير من فولاذ تفقع سر الأرواح الصامتة.
السوس ليس له عيون لكنه يعرف طريقه ويبدأ عمله بعد ربع قرن هو يعتقد أن بعض السوس قد ولد فيه واستمر يقرض منذ الطفولة. لم يكن السوس سوسا زاحفا كان بعض أحلام كبيرة وفي عمر محدد تتحول الأحلام سوسا يعضد منشار السوس القادم بعد ربع القرن الأول...الأحلام ترفعه والسوس يضعه وهو بينهما يسمع الخشخشة ويجد غباره في كل سرير اسند اليه خشبه.
كيف يحد من أثر السوس ليستمر في الكلام؟
لا أفق لديه إلا الإنصات الآن في ظلام الغرفة لصوت عظامه تستحيل قشور بيض وإلى غبار روحه يطوف حول مصدر الضوء ويبحث عن ثقب في الجدار لينجو من أحلام الطفولة ومن سوس القرون ومن بعض الأصدقاء المسامير.
سوس السوس حرق الخشبة لقد اتخذ الرجل قراره. يحرق الخشبة ليسمع تفجر السوس في عظامه. ثم يصلي على قبره واقفا لا يسجد. تلك النهاية المرتجاة أن يصلي المرء على نفسه قائما وينسحب من معارك السوس الرخيص.