عن الأزمة التي تعصف بالبلد

Photo

من علامات "تمفيز" النظم والسياقات انفصال مجال المصالح والاقتصاد والسوق عن مجال السياسة بما هي انتخابات ومسؤولية ومؤسسات ديمقراطية. فلم يعد النجاح في الانتخابات "مصعدا سياسيّا" وطريقا ملكية إلى السلطة والقرار وإنفاذ السياسات والبرامج (هذا يذكر بنظام التعليم الذي لم يعد "مصعدا اجتماعيا"، ولم يعد النجاح فيه سبيلا إلى مكانة أرفع).

هذا ما صرنا إليه في بلادنا، فالانتخابات وما تفرزه من مؤسسات مجال رسمي منفصل كلية عن السوق والاقتصاد ومجال المال والأعمال الذي صار أشبه بمجال سياسي موازي. بل ويصبح هذا الموازي هو ميدان القرار السياسي الفعلي، وتكون المؤسسات المنتخبة من برلمان وحكومة وغيرها قلاعا فارغة سلطتها صورية، وهذا ما يفسّر "حالة التشليك" التي عليها البرلمان والحكومة وسائر المؤسسات.

هذا الوضع عرف انطلاقته الفعلية مع الحوار الوطني ( وهو أهمّ عناوين الانقلاب على المسار التأسيسي) وتأكُّد الوصاية على المجلس الوطني التأسيسي الذي أصبح "صباب ماء على اليدين"، ودوره هو تزكية ما يتقرّٰر في الحوار الوطني باعتباره النموذج الأوفى للموازي ( هو تجسيد لأمنية مرزوق في موازاته المبكرة) .

هذا الوضع هو الذي يفسّر تواصل هيمنة السيستام رغم انفجار واجهته السياسية( النداء) وانقسام لوبياته ومراكز نفوذه المتناحرة. كما يفسّر تفسّٰخ المشهد السياسي، فلم تعد عبارات مثل منظومة الحكم والمعارضة والمنظومة الديمقراطية والمسار الديمقراطي إلاّ أسماء تدور على غير معانيها. ويفسر أخيرا الأزمة الهيكلية التي تعرفها البلاد والعجز السياسي عن تجاوزها. فالأزمة مجال المافيا الحيوي.

صرنا إلى وضع مافيوزي مشروط بالخارج، وهو ما يجعل البعض ممن مازال يرزح تحت الفيتو الخارجي، لهذا السبب أو لذاك، يخاف من النجاح الانتخابي الكبير، ويضطرّ إلى عدم الترشح على رأس مؤسسات بعينها، ولذلك يصبح أكبر خطأ يأتيه هو أن "ينجح أكثر من اللازم". وحتى هذا الخوف قد لا يصبح له مبرر في المستقبل القريب، لأنّ شروط انفصال الانتخابات عن الحكم الفعلي تتدعّم باطّٰراد.

هذا الوضع عاشته بعض البلاد الأوروبية وخاصة إيطاليا، في الثمانينيات، حين سيطرت المافيا، وصارت السياسة "إدارة للأزمات"، بل بقي البلد بلا حكومة لفترات طويلة. لأن السلطة الفعلية على الإدارة والدولة والسوق بيد المافيا ومراكز نفوذها المختلفة.

بلدنا يعيش هذا الوضع، وهو وضع يجعل السيستام المنهك والمفكك متحكما باللعبة، ووجهة الجميع ( مع اختلاف الغايات) رغم تنافسهم في معاداته وعدم توقفهم عن اتهام بعضهم بعضا بموالته. هذا هو المسار الذي جعل من "لابس السفساري" ومن كل "بطيحة" فاتقا ناطقا.

نحن أما سيستام نجح في "مفيزة المشهد" بكل ما تعنيه المفيزة من إشاعة للفساد ونهب للمال العام وهدم للمشترك من القيم وتشليك للمؤسسات وطعن للديمقراطية. وهو في كل هذا صدى لقوى الهيمنة المتصهينة وتقاليدها الاستعماريّة وأدواتها من ممالك النفط راعية الثورة المضادة.

هذا الوضع يفرض أسئلة جديدة وإجابات مناسبة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات