لَمَّا يَصِيــر "الخُبْـــز" أَغْلــى مِن "الحُــرِّيَّـة"

(جَــوِّعْ شَعْبَــك يَتْبَعْــك )

مقدمة: إن المثل القائل(جوع كلبك يتبعك) فيرجع في تراثنا إلى رئيس من رؤساء بني حمير إعتاد على معاملة أتباعه بالعنف والظلم وقد حذره كهنة قومه من مغبة سلوكه هذا وحذروه بأن القوم سيقتلونه ولكنه لم يتعظ وتمادى في ظلمه وسوء حكمه حتى تدخلت زوجته بعد أن لاحظت كثرة المتسولين في نواحيهم فقالت: (إني لأرحم هؤلاء لما يلقونه من الجهد ونحن في العيش الرغيد، وإني لأخاف عليك أن يصيروا سباعاً وقد كانوا لنا أتباعاً) فرد عليها زوجها قائلا:(جوّع كلبك يتبعك)، وفي هذا الصدد يقول عالم الإجتماع المصري "نادر فرجاني":(إن الأنظمة العربية ضحكت على ذقون شعوبها عندما زعمت أن الحرية يتعين أن تنتظر توافر الخبز، بمعنى إشباع الحاجات الأساسية للبشر أولاً، ولكن معادلة الخبز قبل الحرية انتهت إلى افتقاد عامة العرب إلى الخبز والحرية كليهما ).

نعم، خلق الله الإنسان وكرمه على كافة الخلائق التي أوجدها على هذا الكون سورة الإسراء (70) (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم) وميزه بالعقل والفكر ومن خلالهما سخر له جميع ما تحويه الأرض من خيرات لكن بعد أن يستخدم عقله وفكره ويعرف كيف يستفيد منهما وكيف يتعامل معهما، ومن خلال هذا العقل والفكر عرف الإنسان القدرات والمواهب التي يتمتع بها وعرف أيضا ما هو أعمق من ذلك كرامته وقيمته وإنسانيته فأصبح يناضل من أجلها لأنه بدأ يدرك أنه لا يمكن أن يعيش على هذه الأرض من دون هذه القيم العظيمة وهي إحترام هذه الروح قبل الجسد، فكرامة الإنسان لا تتجزأ مثلها مثل كل القيم العدل والحرية والمساواة فهي مطلقات وثوابت بحث عنها الإنسان منذ القدم وناضل من أجلها وصنعت حضارات وهدمت بسببها وكتب التاريخ قصص أبطال ناضلوا من أجل كرامتهم وحريتهم التي طالما آمنوا بها فضحوا بأرواحهم في سبيل إستعادة هذه الكرامة بعد ما ضاق بهم الظلم والتجني، واللافت للأنظار حاليا هو ترديد نفر من الكتاب والمثقفين والإعلاميين المغاربة بالخصوص على إعتبار أن التنمية وليس الديمقراطية والحرية هي الحل بإعتبار أن الإستبداد قد تمكن بالفعل في بلادنا وبالتالي لا طائل من وراء الإستمرار في معارضته من أجل الحرية والديمقراطية وأن الشعب في حاجة لتصديق وعود مستبدّيه في ما يتعلق بخطط النهوض والتنمية الإقتصادية والمعيشية، ومن خلال دراسة نشرتها مجلة "Forgien Affaires” الأميركية بأن إهتمامات الناس الذين إستطلعت أراءهم في 12 دولة عربية إسلامية من بينها المغرب تتمحور حول كلمتين هي الخبز والحرية وكان هنالك تفضيل واضح لمفردة الخبز وهذا يعني أن تحسين الشروط المادية للحياة يمثل أولوية بالنسبة للإنسان العربي على العموم و المغربي بالخصوص في هذه الدو ل، وهو ما برز بوضوح في المغرب فالناس الذين شاركوا في التظاهرات الإحتجاجية مع حركة 20 فبراير كانوا يطالبون بالخبز بعد أن شعروا أن الدولة التي ينتمون إليها لا تشبع بطونهم الخاوية.

نعم، لقد كانت بداية الإنعتاق الذي عرفته الشعوب من حكم الأنظمة المستبدة يوم وعت أن كرامتها أولى من كسرة الخبز التي يقدمها لها سيدها على طبق المذلة والخنوع والتساقط على الأعتاب مقابل الإعتراف بشرعية أسقطتها سنين الإستبداد والظلم والدوس على كرامتهم، فلقد أفلحت هذه الشعوب حينما سلكت سبيل البحث عن الكرامة المفقودة والحقوق المهضومة وضحت من أجل ذلك بـكسرة الخبز فلم ترضى بغير كرامتها وحريتها مطلبا لثوراتها، فلما الشعوب المضطهدة ثارت إنما ثارت لتحيا من جديد حياة الحرية والكرامة وهي تعلم علم اليقين أن لهذه الحياة الجديدة مخاضا برائحة الموت يموت من أجلها جيل لتعيش أجيال فإنتصرت لرغبتها وإرادتها في التغيير على جيوب مقاومة التغيير وكان ما كان من الهبَّات التي غيرت الخرائط وبدلت الوجوه وصححت العناوين والمفاهيم من تبعية وإستلاب إلى حرية وكرامة، فالحرية قيمة أعلى من قيمة الخبز وقد يرى البعض أن الخبز مادة الحياة وهذا القول يتساوق مع القول الذي يُنسب إلى "شكسبير":(أعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفا) ويمكن بسهولة أن نرد على هذا القول ردا دينيا ونستشهد بقول "السيد المسيح":(ليس بالخبز وحده يحياً الإنسان)، هذا كله لا يعني أن الإستبداد هو طوق النجاة أو أن يجرى الإنخداع بمعسول الكلام وبالوعود الفارغة التي يلقيها المستبدون ويرددها إعلامهم على مدار الساعة من أجل إقناع ذلك المواطن بأن الإستبداد هو الحل أو أن يصدق الكلام المعسول عن المشاريع العملاقة وخطط التنمية التي تمتد عبر الزمن لأجيال قادمة على طريقة خطط التي نسمع عنها في أكثر من بلد عربي وتبيع أحلاما خاوية وأوهاما لامعة.

نعم، إذا كان أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" قد أجاز للجائع أن يشهر سيفه على الناس أفلا يحق للكتاب والمثقفين والإعلاميين أن يشهروا أقلامهم وآرائهم وليقروا على أن شعوبنا العربية و الإسلامية بحاجة في الوقت الراهن للحرية أكثر من حاجتها للخبز فالبحث عن الخبز بمعزل عن الحرية يتساوى مع بحث الدابة عن علفها و أن يكون مع العمل كرامة حتى لو كان ماسح أحذية، فالحرية شجرتها عليها أن تُروى بالدماء الزكيّة فهي مقصد من مقاصد الرسالات السماوية وهي أكثر من كونها ضرورة للإنسانية جمعاء، ولا يمكن الهروب من حالة اليأس والإحباط التي تتسرّب إلى النفوس بسبب فشل الإنتفاضات العربية في إطلاق عملية إنتقال ديمقراطي ناجع ولا يمكن لوم المواطن العربي خصوصا الذي يئنّ تحت وطأة ظروف إقتصادية و إجتماعية صعبة على فقدانه الثقة بالدعوة إلى الثورات والإنتفاضات خصوصا بعد فشل النخب السياسية التي اقتطفت ثمار ما سمي بالربيع العربي في تحسين تلك الظروف كما هو الحال في وطننا المغرب مع حركة 20 فبراير.

Commentaires - تعليقات
nidal cheficho
21/03/2025 17:19
حتى العصافير تهرب من أقفاصها رغم توفرها على طعام وماء لأنها تؤمن بأن الحرية أغلى من الخبز عكس العبيد،