أريد اعتذارا

Photo

هل هي أيّام عضّ الأصابع بعد أيّام الردح الطويلة التي رأينا فيها الويل ورأينا فيها الخبل وقلّة العقل ورأينا فيها الرقص ورأينا التناهش على أشدّه تناهش القادة وتناهش القواعد. ورأينا الدماء تسيل والأعراض والتفاهة. رأينا كلّ شيء. رأينا العجب.

ورأينا خطّة ترذيل الحياة السياسية تتقدّم كأبهى ما يكون ينخرط فيها الجميع ولا أستثني أحدا يقول الشاعر. رأينا أيّام داحس والغيراء رأينا غياب العقلاء رأينا العراء كاملا. رأينا كلّ شيء على المسرح السياسي ولم يحترم أحد المتفرّج الذي يطاله الأذى ولو كان على الربوة ولم يحترم أحد الناخب الذي يشاهد بأسى ما اقترفت يداه ولم يفكّر أحد في الخيبة الجماعية وفي خيباتنا الأزلية من الحياة السياسية؟

أيّام العضّ؟ لست واثقة تماما من أنّها كذلك. فالعضّ يحتاج ضميرا ويحتاج وعيا بالأخطاء ومراجعة لها بدل مراكمتها. لست واثقة فلا أحد حتى الآن قدّم نقده الذاتي. نقده الذاتي الصريح والشجاع. كأن يقول: لقد خذلنا ناخبينا.. لقد خذلنا المرحلة.. لقد خذلنا تونس المهدّدة اليوم تهديدا حقيقيا في تجربتها الديمقراطية بعد التقاطع المريب حاليا بين الشعبوية والفاشية.. لقد خذلنا الثورة. لقد جرفتنا سيول الإيديولوجيات القاتلة والتباغض وإرث الماضي الثقيل وألقتنا في بؤرة التقاتل..

لا أظنّ أنّ هذا سيحدث. هذا يحتاج روحا بطولية عالية. نفسا كبيرة قادرة على النقد والاعتذار. لم نر حتّى الآن بطولة حقيقية تستحقّ أن نصفّق لها. وإن رأينا سنصفّق لها.

يبدو أنّ المنظومة الجديدة قد خرجت من رحم القديمة تحمل كلّ عاهاتها وأدوائها. ولم يُقطع بعد الحبل السريّ. ربّما نحتاج جديد الجديدة. جيل آخر متحرّر من الإرٍث الثقيل الذي تتسلّل منه الأمّ الماكرة لتعيد سطوتها كلّ مرّة. لتعيد احتضان السلطة بأذرعها الأخطبوطية.

جيل متحرّر من الشروخ التي يجد فيها القديم إقامته. مازال أمامنا الكثير حتى نغيّر البنية الذهنية والنفسية والاجتماعية المشروخة القائمة، حتى نصنع من غبار سوبرنوفا السياسة المنفجرة صرحا عتيدا.

مازال أمامنا الكثير لإنتاج العقل السياسي التونسي المفكّر والحرّ. في انتظار ذلك، أنا أريد اعتذارا لي كناخبة..

أليس فيكم معتذر؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات