للمرة الثانية في الطور الابتدائي من القضية الجنائية - سيئة الذكر، المعروفة " بالتآمر ضد أمن الدولة"، تقرر عقد الجلسات عن بعد، في خرق صارخ لكل مقومات المحاكمة العادلة المعترف بها بالدستور والاتفاقيات المصادق عليها وقوانيين البلاد.
· وفي كلا الأمرين وقع الاستناد تضليلا إلى :
- قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال في فصله 73 (قانون أساسي عدد 26 لسنة 2015)
- مجلة الإجراءات الجزائية في فصلها 141 مكرر الذي أضيف بمقتضى مرسوم رئيس الحكومة عدد 12 لسنة 2020 المبني على تفويض من مجلس نواب الشعب إلى رئيس الحكومة في إصدار مراسيم لغرض مجابهة تداعيات انتشار فيروس "كورونا كوفيد -19 "
كما وقع في كلتا الحالتين تبرير مبتذل وفوضوي لهذا الإجراء بالرجوع إلى" وجود خطر حقيقي يحول دون حضور المتهمين بقاعة الجلسة "، المرة الأولى في جلسة 4 مارس 2025 والمرة الثانية بالنسبة للجلسة المقبلة ليوم 11 أفريل2025 والحال ان المنطق القانوني السليم يقتضي احترام شروط جوهرية معينة منها انه :
1. لا يمكن الاكتفاء «بالخطر الحقيقي " (Danger réel) بل يجب تعليله تعليلا كافيا شافيا واضحا دقيقا بما يتماشى ووقائع القضية وما يتلاءم ومبدأ التناسب بين المحاكمة عن بعد والمحاكمة بالمثول الشخصي بقاعة الجلسة .
2. كما تجدر الإشارة الى أن «الخطر الحقيقي «في قانون الإرهاب يؤدي فحسب الى إجراء جلسات سرية (huis clos) ولا الى جلسات عن بعد باستعمال وسائل التواصل السمعي البصري (audience à distance par visioconférence) حيث أن الجلسة السرية هي التي يسمح فيها للأطراف المعنية فقط بالحضور مع استبعاد الجمهور من قاعة الجلسة بينما "الجلسة عن بعد" هي التي يستبعد فيها المتقاضون من القاعة بإبقائهم بمكان الإيقاف والسجن مع حضور الجمهور بقاعة الجلسة، مما يؤدي إلى التعدد المكاني للمحاكمة .
3. أما الفصل 141 مكرر فهو بعيد كل البعد عن سياق هذه المحاكمة حيث لا أثر في نص المرسوم "للخطر الحقيقي" بل "لحالة الخطر الملم" ( Le danger immédiat) و لغاية التوقي من إحدى الأمراض السارية وذلك لإستثناء شرط موافقة المتهم المودع بالسجن المنصوص عنها ها في فقرته الأولى .
4. كما أن المرسوم المذكور ليس له وجود قانوني وشرعي إذ لم تتم المصادقة عليه وهو بذلك قد تدخل بدون حق وسند قانوني في مجال القانون مما يجعله في حكم المعدوم، ما يترتب عنه آثار أكثر خطورة من البطلان إذ يمكن الغاءه قضائيا حتى بعد انقضاء أجال الطعن في مادة تجاوز السلطة .
5. لننتهي أخيرا الى أن المحاكمة عن بعد تخضع لضوابط ومعايير حسن "إدارة القضاء " ولا يمكن أن تكون مطية للتلاعب بإجراءات المحاكمة الحضورية والمثول الشخصي بما يضمن للمتهم التواصل المباشر مع المحكمة والإدعاء ولا التفصي من ضمان حق الدفاع مما يحرم المتهم من الاستفادة من مساعدة المحامي والتحدث له دون إشراف وبطريقة سرية.
كل هذا، شكلا واصلا، يدل على وضع قانوني رديء وعبثي مناف "للهدف المشروع" لمثل هذا الإجراء الاستثنائي، مما ينم عن انتفاء كلي للمحاكمة العادلة في دولة القانون .