دعوني أحدثكم قليلا عن إضراب الجوع ، لمن لا يعرفه ، أو يسمع عنه ، أما أولائك الذين عاشوه حينا من الدهر ، فلا شك أنه أصبح بعيداً بعيدا في زاوية مظلمة داخل ذاكرة قلقة ومضطربة .
يبتدئ إضراب الجوع في التشكل فكرة ، عندما تستوي فيه الحياة مع الموت ، ويصبح الموت ذلك الحصان الأبيض ، الذي ينقذك من وضع يفوق الإحتمال.
ليس مهما أن تكون على وعي سياسي ، كي تمارس هذا الفعل ، فلقد رأيت بعضا من السجناء ، الذين لا يهتمون مطلقاً للشأن العام ، غير أن منسوب الشعور بالكرامة مرتفع جدا ، فلم يستطيعوا تحمل الإهانة من قاض مجرم ، أخطأ في حكمه عليهم ، ثم انطلق مساء يحتسي الجعة ، في حالة موت ضميري متكرر … ولقد قام بعض هؤلاء السجناء بإضراب قاس عن الطعام ، دون شفقة .. ومنهم من أجبر السلطات الصماء على مراجعة الأحكام ..
أما بالنسبة للسياسيين ، فقد كتب الكثير حول الموضوع، ولا أعلم إن كان هناك سجناء سياسيون لم يمروا بتلك التجربة المرة وهي عبارة عن : مغازلة الموت …
وينقسم إضراب الجوع على قسمين :
إضراب حاف : وهو الإنقطاع الكلي عن الأكل والشرب ، ومعدل الحياة بعده ثلاثة أسابيع ، ومنها يودع الدنيا …
و إضراب مع شرب الماء والسكر ، وقد يعيش صاحبه تسعون يوماً كمعدل ثم يغادر ( عموماً ، بعد اسبوعين لن تستطيع تناول السكر ، لأن النفس تنغلق عن اشتهائه و يكون مستفزا للقيء)-
إني أقدر تماماً شعور أولائك النبلاء ، الذين مروا إلى الإضراب ، في حين ، لا أحد غيرهم يفكر في غير بطنه …
هؤلاء ، يدركون الطريق الذي يسيرون فيه ، و يرون التغول القادم ، حكما استبداديا في نسخة أشد رداءة مما عرفه كل تاريخ تونس الحديث .
كل الدعم المعنوي للأحرار .