ضحيّة أخرى لسياسة "التّنافق" بين رأسيْ الحكْم: ملفّ المساواة بين الذّكر والأنثى

Photo

لقد أفردنا لمسألتي "زواج التّونسيّة المسلمة من غير المسلم" و"مساواة الذّكر والأنثى في الميراث" ما لا يقلّ عن سبعة مقالات نُشرت مؤخّرًا على أعْمدة الصّحف التّونسيّة، وهي:

1 - إباحة زواج المسلمة من غير المسلم بين المدّ الإصلاحيّ والفرقعة الإعلاميّة

2 - في إباحة زواج التّونسيّة المسلمة من غير المسلم وفقه المواريث وأشياء أخرى: ما لا ولن يقوله لكم فقهاؤنا البررة

3 - مسألة مساواة الذّكر والأنثى في الميراث بين رجل علم والسّياسيّ

4 - استعصاء التّكفير باستنهاض التّفكير: في بطلان دعْوى وسام السّعيدي ضدّ عادل العليمي

5 - أضعف الإيمان: نصح إخوان إمارة تونس قبل فوات الأوان

6 - زاد المستعلم في إباحة زواج التّونسيّة المسلمة من غير المسلم ومنتهى الغياث في المساواة في الميراث

7 - Un salafiste nommé B. C. E. ? De la réforme des textes matrimoniaux et successoraux se rapportant à la femme

وإنّما خصصْنا هاتيْن المسْألتيْن بهذا الكمّ من المقالات لا بالنّظر إلى أهمّيّتهما فحسب، بل باعتبار التباسهما وتشعّبهما، بحيث أنّ كلّ مسعى إصلاحيّ في الغرض يستدعي جملة من المحاذير وحدّ أدنى من الاطّلاع على فروع هذه المسائل وانعكاساتها، وهو أمر غير مُتاح لأوّل ناظر اتّفق.

فمستويات الطّرح المُحْتَمَلة لمسألة المساواة بين الذّكر والأنثى متعدّدة باعْتبار العلوم الوضْعيّة، فما بالك وهي مُلتبسة في ربوعنا بالمُعْطى الدّيني وما يحفّ به من عادات وتقاليد اجتماعيّة، بل وفرديّة في بعض الحالات –البعد النّفسي مثلاً-. بحيث أنّ أخطر ما يمكن أن ننزلق إليه في مسائل المساواة بين الذّكر والأنثى هو حصر مجال نظرنا في خياريْ "مَن مع" و"مَن ضدّ" -على طريقة الـ QCM والـQCROC- (الأمريكيّة الأصل والمنْشأ).

ويبدو، في قراءة أوّليّة، أنّ مقاربة اللّجنة المُكلَّفة من قِبَل رئاسة الجمهوريّة بصياغة تقرير في الغرض، قد اشْتغلت في اتّجاه براغماتيّ لم يُعْر لمستويات التّعيين الطوبولوجي وتحديد مناهج البحْث والتّأصيل السّببي المكانة التي تستحقّها، فأتى التّقرير على شاكلة "وللذكر حظّ الأنْثييْن" الجزميّة والإلْزاميّة، بحيث أنّنا نكون مع هذا التّقرير قد استبْدلْنا طرحًا دغمائيًّا (بالمعنى الاشتقاقي للكلمة، أي نسبة لـ dogme : العقيدة) بطرْح دغمائيّ آخر.

إنّ أسّ استدلال اللّجنة ذو طبيعة استقْرائيّة، يؤسّس مشروعيّة المساواة بين الذّكر والأنثى –في الميراث مثلاً- على مبدإ المساواة بين البشر عمومًا، كما وقع التّنصيص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أي على أساس كونيّة هذا المبدإ، لا باعْتبار الخصوصيّة الثّقافيّة في ربوعنا، أي مع أخذ أحد أبرز مقوّماتها، أعني: المُعْطى الدّيني، في الحسْبان.

ولمّا كانت اللّجنة واعية بأنّ هذه المقاربة الاسْتقرائيّة لا يمكن أن تحْسم المسألة بصفة نهائيّة وقطعيّة، ألْقت بمسؤوليّة حسْمها على كاهل الفرْد، موكلة له مهمّة الحسم النّهائيّ بين تبنّيه للقيم الكونيّة والْتزامه بضوابط خصوصيّة انتمائه الثّقافيّ؛ فسلّمت، من ثمّة، للطّرح الثيولوجيّ أنّ المسألة قيْد القناعة الشّخصيّة، أي أنّها ذات طبيعة إيمانيّة في نهاية التّحليل، أكثر ممّا هي سليلة نظر عقلانيّ ونتيجة تحليل موضوعيّ لواقع مُعاش. فعُدْنا على أعْقابنا، مرجّحين التشبّث بالنصّ، أي النّقل، عِوَضًا عن البرهنة والاستدْلال، أي العقْل.

لا يُقال لنا إنّنا، باعْتبار "سياسة المراحل البورقيبيّة"، ومن حيث قرب الجهة التي أوصت بهذه المبادرة من الإرث البورقيبيّ، قد حقّقنا في المسألة "خطوة إلى الأمام" ستتْلوها حتما خطوات أخر، فإنّنا نعتبر على العكْس من هذا الادّعاء، أنّنا بهذه الوثيقة نكون قد تقهْقرْنا إلى الخلف، لفرْط اعْترافنا المُضْمَر بأنّ مسألة المساواة بين الرّجل والمرأة في الميراث لا يمكن أن تُحْسَم بشكل نهائيّ في اتّجاه إقرارها بصفة مُطْلَقة؛ بما يُنْذر أنّ إثباتها بصفة قطعيّة يتعارض مع المُعْطى الدّيني، وهو ما لا يسلّم به اليوم شقّ هامّ من المُخْتصّين في مثل هذه الأمور، كما بيّنّا ذلك في مقالات سابقة.

وبمعْزل عن موقف أعضاء اللّجنة، أو بعضهم على الأقلّ، من الدّين، وهو أمر لئن كان يهمّهم شخصيًّا، فهو غير خفيّ على أحد، وبخاصّة أنّ أكثرهم تشدّقّا بالتّبحّر في شأن الإسلام وقع وصفه من قبل أستاذه المرحوم محمّد الطّالبي، كوْنه "منسلخًا عن الإسلام"؛ فإنّ وجه السّقم هاهنا هو ذو طبيعة منهجيّة. ذلك أنّ اللّجنة تقحم، على مستوى طرح الإشكال، المستوي الدّيني في مسألة المساواة -مؤوّلة المبدأ الوارد في الفصل الأوّل من الدّستور "الإسلام دين الدّولة التّونسيّة" تأويلاً سقيمًا، لا يستقيم لا على جهة نظر القانون المقارن ولا حتّى من المنظور اللّغويّ. ولكن على مستوى طرح الحلول تتجاهل اللّجنة البعد الدّيني تجاهلا كلّيّا، بل أنّها تذهب إلى حدّ المغالطة (فقه المواريث نموذجا) في نقل بعض القواعد الشّرعيّة. وقد فات القوم أنّه كلّما تدخّل رجل السّياسة في العلم إلاّ وأفسده.

فهل أنّ عيب لزوم الدّور (أي التّقهقر بالمسألة إلى ما لا نهاية) يُعْزى إلى عدم اختصاص اللّجنة في الأمر، باعتبار خلوّها من مُختصّين في هذه المسائل تدْقيقًا أم أنّه يعود إلى استتْباعات "سياسة التّوافق" –أو بالأحْرى "التنافق- التي لا تكاد تُشرق شمس يوم جديد على هذه الأرض الطيّبة دون أن يكتشف هذا الشّعب الكريم أفضالها ومزاياها -بل و"كراماتها" أيضًا- على حاضره ومستقْبل أبنائه.

فارْض علينا "سيدي الشّيخ"، هذه كرامة أخرى من كرامات توافقنا المُبارك، حتّى لو همس بعض الضالّين: "تمخّض الجبل…".

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات