الفصل بين "الدعوي" و"السياسي".. الكلمات والأشياء

Photo

ماذا يا يعني "السياسي" وماذا يعني "الدعوي"؟

إذا كان المقصود بالدعوي، ما كان يطلق عليه "بالعمل المسجدي" ويتلخّص في التزايد المفاجئ والسريع في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات لارتياد المساجد من قبل فئة تنتمي أساسا للشباب، وتحويلها لهذا الفضاء لخلية نحل تعجّ نشاطا وحيوية، يمكن تلخيص هذه الأنشطة فيما يلي:

- حلقة املاء لحفظ القرآن

- حلقة عامة (يوم السبت بين صلاتي المغرب والعشاء يلقي خلالها أحد هؤلاء الشبان محاضرة في موضوع عام يربط فيه بين الفكرة الاسلامية والتجربة التاريخية بالواقع المعاش)

- مجلّة حائطية تتناول الموضوع ذاته من أوجه مختلفة

- مكتبة تدار كما تدار المكتبات العمومية (تعير الكتب) والكتب نوعان بعضها من المصادر القديمة كسيرة ابن هشام، وحياة الصحابة، ورسالة ابن ابي زيد القيرواني، واحياء علوم الدين للغزالي، وكتب ابن قيم الجوزية... وبعضها حديث ذو نزعة ايديولوجية حركية: كتب سيد قطب (خاصة في ظلال القرآن)، ومحمد قطب ومحمد الغزالي وأبو الأعلى المودودي ورسائل حسن البنا وكتب أبو الحسن الندوي وشكيب أرسلان وفتحي يكن وزينب الغزالي ومحمد باقر الصدر (اقتصادنا، فلسفتنا)، خالد محمد خالد (رجال حول الرسول)، سيد سابق (فقه السنة)…

- الاحتفال بيوم العلم وتوزيع الجوائز على المتفوقين في دراستهم (والهدايا كتب)

وهناك أيضا أنشطة مرتبطة بالمسجد ولكن، كانت تقام خارجه ومنها:

- كالرحلات، والخرجات بالدراجات، والسباحة الصباحية، والرياضة، والمخيمات

- وكذلك الاحتفالات المختلفة (زواج، عقيقة لمولود جديد، المولد النبوي، رأس السنة الهجرية...)

- أنشطة ثقافية تتلخص في فرقة أناشيد، فرقة موسيقية في بعض المناطق، فرق مسرحية…

- "دروس" أسبوعية تلقيها القيادات البارزة للتيار الاسلامي الناشئ في بعض مساجد العاصمة ويؤمها الآلاف من الرواد جلهم من الشباب المدرسي والجامعي: راشد الغنوشي في حامع "سبحان الله" بباب سويقة، احميدة النيفر بجامع "ابي محمد" بباب سويقة، عبد الفتاح مورو، حسن الغضباني بسيدي محرز..

- احياء بعض المناسبات الكبرى: مناسبة وفاة أبو الأعلى المودودي بجامع الحلق بمعقل الزعيم، مناسبة 1 ماي 1980 عيد الشغل بجامع يوسف صاحب الطابع بالحلفاوين... حيث حظر الآلاف..

- مجلّة المعرفة الشهرية... جريدة الحبيب الأسبوعية والتي لم تصدر الا لبضعة أشهر فقط..

الروح العامّة التي كانت تسود هذه الأنشطة المتعدّدة هي أنها تطرح نفسها بديلا عن الهيمنة الثقافية السياسية (بالمفهوم القرامشي) للحزب الدستوري الحاكم... والمسجد هو الفضاء الجماعي الوحيد الذي كان خارجا عن هذه الهيمنة بحكم التوجه "الحداثي" و"اللاديني" للدولة البورقيبية خلال عقدي الستينات والسبعينات.. ولم ينتبه النظام "للخطر الداهم" إلاّ في نهاية السبعينات، بمناسبة اندلاع الثورة الايرانية الكبرى... وقد رشحت الدوائر الاستخبراتية والاعلامية الغربية، من باب التنبؤ والاستشراف، تونس لأن تكون المحطّة الثورية القادمة، بحكم طبيعة المجتمع التونسي وبحكم تنامي المدّ الاسلامي "الاحتجاجي"…

إذا كان المقصود بالمجال الدعوي ما ذكرنا.. فإنّ أمر الفصل قد حُسم منذ ذاك الزمن.. أي منذ 35 عاما.. حينما أغلقت المساجد أمام الاسلاميين، ومنعت كلّ الأنشطة وصودرت المكتبات... إبان حملة القمع التي انطلقت موفى شهر ديسمبر 1980 (ومحاكمات صيف 1981)…

منذ ذلك التاريخ أجبر الاسلاميون بالفعل وبالقوّة على الخروج من اطار العمل المسجدي فوجدوا أنفسهم "مضطرون" لدخول دور الشباب ودور الثقافة والنوادي والكشافة وفرق الموسيقى والمسرح والنقابات وغيرها من مجالات الحياة.. واختلطوا بالناس، فكسر حاجز الخوف المتبادل بينهم وبين عموم المجتمع... لم يعد الاسلامي لا سيما التلميذ أو الطالب ينظر إلى المجتمع على أساس أنه "مجتمع جاهلي" تجب إعادة أسلمته من جديد.. ولم يعد المجتمع ينظر إلى الاسلاميين كأنهم كائنات غريبة أتت من المريخ أو من القرن السابع للميلاد... وكان هذا الخروج الاضطراري مناسبة لاستقطاب فئات جديدة كالفتيات غير المحجبات مثلا... ولو تخيل بورقيبة ومن حوله انعكاسات ضربه للعمل الدعوي المسجدي على الحركة الاسلامية وعلى المجتمع لشجعهم على المكوث في المساجد إلى أبد الآبدين.. ولزادهم مساجد على المساجد..

إذا كان المقصود بالدعوي هذا... فالفصل حدث منذ أكثر من ثلاثة عقود.. حيث أعلن الاسلاميون عن انشاء حزب سياسي مدني(6 جوان 1981)، يعتمد في تصوراته الفكرية والسياسية والاقتصادية على قراءته للإسلام وللتجربة التاريخية للمسلمين ولما أنتجه الفكر البشري عموما من تجارب للنهوض بالأمم ولتحقيق سعادتها، وقد أكد البيان التأسيسي على أمرين مهمّين: عدم اعتماد العنف كوسيلة للتغيير، وعدم اعتبار حركة الاتجاه الاسلامي كناطق رسمي باسم الاسلام..

الأمر كان إذا واضحا منذ تلك الحقبة.. والكرة كانت منذ تلك الفترة في ملعب نظام يرفض رفضا قاطعا مسألة التعددية السياسية من أصلها حيث كانت فكرة الحزب الواحد والزعيم الأوحد مترسخة في عقل الفئة الحاكمة كالعقيدة الثابتة.. ولا مجال لفتح الساحة السياسية والدخول في تجربة ديمقراطية تسمح لليسار وللقوميين وللإسلاميين بالتواجد السياسي العلني.. وهذا ما أدى الى أزمة النظام التي وصلت إلى حدّ انقلاب السابع من نوفمبر 1987..

الذين يدعون النهضة اليوم (والنهضة غير حركة الاتجاه الاسلامي، وهذا موضوع آخر) إلى الفصل بين "الدعوي" (الذي لم تعد تمارسه منذ زمن بعيد، والذي اختزل اليوم في ملابس حبيب اللوز والصادق شورو، وبعض ما صرحا به خلال مرحلة المجلس التأسيسي البائسة) والسياسي، هم في نهاية الأمر يدعونها إلى التخلي عن هويتها الايديولوجية، وعن تموقعها الطبقي.. هم يريدون منها أن تتحوّل إلى مجرّد إطار سياسي لا طعم له ولا رائحة.. يقع على اليمين.. وكلّ الأحزاب في تونس هي يمين (بما فيها جبهة حمّة المتبرجز).. تحافظ، بحكم حجمها الذي ورثته من مرحلة التأسيس الأولى، على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القائمة..

هذه الرغبة (وهي بالأساس رغبة السفارات الحاكمة بأمرها وعبيدها من ساسة ونخب ورجال أعمال البلاد) باتت اليوم مقبولة لدى طبقة الاباراتشيك (القيادة البيروقراطية) في حركة النهضة.. وهي قيادة تمكنت وفرضت رؤيتها ومنهجها في العمل منذ أواسط الثمانينات.. نعم..

أمّا الذين تدغدغهم أحلام اضمحلال النهضة في القريب العاجل.. ويرون أنفسهم بدائل ممكنة، فيرفعون بين الفينة والفينة رايات "ثورية" مزيفة ويسقطون في السب والهمز واللمز والشتائم البائسة، فيصفون هذه الحركة بأنها "التجمع الجديد".. فهم في بؤس فكري وسياسي وأخلاقي يجعلهم في عجز تامّ عن فهم التاريخ وعن فهم الواقع.. كعجز "جبهة حمّة" عن فهم التاريخ وعن فهم الواقع.. آن لهؤلاء أن يعوا بأنّ الحركات التاريخية الكبرى لا تبنى على معارضة أو مضاهات الغريم السياسي... بل تنبى بنفسها ولنفسها.. تبدع أفكارها، وتنتج رؤاها، وتقدّم نماذجها وتطرحها على الناس حبا لا نفاقا وتمويها.. والأخلاق هنا ممارسة لا شعارات رنّانة..

معركة الثورة القادمة، ليست ضدّ النهضة.. بل هي دوما ضدّ منظومة الاستبداد، والفساد ورهن مصير البلاد برأس المال وبالدول الكبرى.. هذا مربط فرس الثورة.. وأعداء الثورة هم من يجسدون تلك المنظومة كائنا من كانوا..

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات