النّخبة وشيطنة الشعب الكريم

Photo

لقد نبهنا منذ البداية إلى أن الثورة المضادة تعمل بنسق محكم ومدروس وعقلاني... وتأخذ بالأسباب... أسباب نجاحها... وليس المال – كما يشاع دوما – هو سبب نجاحها الوحيد... عامل الوقت، وكيفيّة التّحكّم فيه، كان أيضا من عوامل انتصارها الباهر... لقد عملت منذ البداية على إفراغ الثورة من محتواها بتمييعها وتحويل وجهتها وجعلها مجرد "انتقال ديمقراطي"... وما يعنيه "الانتقال" من خروج على مبدأ القطيعة مع ما سبق، وكذلك من تطبيع مع ما سبق... ونذكر جميعا مقولة "سقط النظام وبقيت الدولة" ومقولة "استمراريّة الدولة"... عبر ماذا؟ عبر "تواصل الإدارة"... هذه الإدارة التي بات اليوم واضحا مدى فسادها وإفسادها، هذه الإدارة التي اختزل قانون المصالحة فيها في نهاية الأمر...

نجاح الثورة المضادّة في تحقيق أهدافها – وقد نجحت – لم يأت من محض الصدفة... ولم يأت من عبقرية كامنة فيه، فلقد وجدت في الأحزاب وفيما يسمى ب"المجتمع المدني" وفي الكثير من ضعاف النفوس لدى "النخب" خير حليف لها.... فوصلت إلى ما تريد وأكثر من ذلك بكثير...

ولو أرادت إعادة بن علي لسعتْ إلى ذلك، ولكنها لم تُرد ذلك إذ ان هدف الثورة المضادة الوحيد والأوحد هو تأبيد التوازنات الاقتصاديّة والاجتماعية والطبقية والثقافية وكذلك الارتباطات الخارجية والحفاظ عليها... بل وتدعيم مكتسباتها إلى أحسن مما كانت عليه زمن بورقيبة وبن علي... وهذا ما حصل بالفعل... لقد وصلتْ إلى ما لم تكن تصبو إليه حتّى تحت حكم بن علي نفسه…

ونجد اليوم لدى من يدّعون الثورية -وقد ساهموا بغبائهم وبنرجسيتهم وبطمعهم وبأنانيّتهم في تفتيت شعب الثورة وفي ابعاد الناس عن السياسة وأهلها- من يلقي باللوم على الشعب... فيصفونه بشتى النّعوت السطحية والاخلاقوية...

مع العلم ان مفهوم "الشعب" هو مفهوم غامض ومجرد (abstrait)...فالشعب كالماء يصبح آسنا إذا لم يتحرّك، ويجري ويتدفق ليصبح قوّةً حيث وجدت المسارب والأودية... ولا أحد من الأحزاب المحكومة بمصالحها الحزبية الضيقة وببيروقراطياتها المتعفّنة بقادر على أن يستقطب هذا الشعب ويرسم له الطريق... الشعب وطموحاته هي آخر ما يفكّر فيه العقل الحزبي المهووس بمعارك التّموقع وبالآجال الانتخابيّة…

ولذلك فإنّ الشعب لا ينزل إلى مسيرات ومظاهرات لا ناقة له فيها ولا جمل… وهذا معقول… لماذا نلوم الشعب ولا نتساءل عن أحزاب ومنظمات غير قادرة على دعوة الحد الأدنى من المنتسبين إليها او من أنصارها للنزول إلى الشارع؟

الثورة المضادة فهمت هذا الأمر منذ سنوات… فبالأمس مثلا، طورت من أساليبهافأفرغت شارع الحبيب بورقيبة من المارة بغلقها المقاهي والمحلات…. وتركت المتظاهرين يرفعون شعاراتهم لوحدهم فيما بينهم….
أتساءل اليوم ما قيمة النزول إلى شارع الحبيب بورقيبة؟؟؟ صحيح أنه قريب ولا يتسبب في ارهاق لقادة الأحزاب والصور التذكارية تأتي فيه جميلة الإخراج…

لا وزن لمظاهرات ولتحركات لا يكون مسرحها، مكان تواجد الشعب، في أحيائه وقرب أسواقه، في حي التضامن ودوار هيشر و5 ديسمبر حيث الشعب المنتظرلتغيير ما… مع العلم بأنّ المظاهرات والتحركات وتوزيع المناشير هي في حدّ ذاتها وسيلة من وسائل التثقيف السياسي، وإيقاظ الضمائر ونشر الوعي… أمْ أنّ الاحتكاك بالشعب العميق لا يقع وطلب ودّه واهتمامه بالشأن العام، إلاّ خلال الحملات الانتخابية، وهو أمر مشين وينمّ على انتهازيّة حزبيّة باتت معلومة وممجوجة من الجميع؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات