
اللامركزية والتنمية
من أبرز سمات الأنظمة المتتالية في تونس، على الأقلّ منذ العصر الحفصي، هو تضخم المركز (العاصمة ) على حساب الجهات. فكانت بواعث أول ثورات البلاد الكبرى ( 1864 ) تدور أساسا حول علاقة المركز بالجهات، المبنية على التعالي الرمزي والإجتماعي وجمع المَجْبى. ثمّ جاء الاستعمار الفرنسي فرسّخ مبدأ المركزية اعتمادا على مركزية الدولة اليعقوبيّة في فرنسا نفسها، واعتمد تهيأة ترابية تقوم على مبدئي الإخضاع الأمني واستغلال الثروات. ونشأت "الدولة الحديثة" بعد الاستقلال فكرست الفلسفة نفسها، مع إضفاء طابعا جهويّا على الحكم لا زلنا نعاني من آثاره إلى الآن. وبالرّغم من توجه بورقيبة المعادي للقبليّة وللعٌروشيّة، لا كمظهر من مظاهر التخلف والقديم فحسب، بل لما يعلمه من إمكانية تصدي هذه الهياكل العتيقة والمترسّخة في الذهنية التونسية لهيمنة المركز على الجهات؛ فإنه أسهم بقدر كبير في تثبيت الجانب الجهوي\العائلي (clanique) للدولة، لا بتحويل المركز من تونس إلى الساحل، ولكن بنقل الساحل إلى تونس، وتوزيع المناصبالإدارية والسياسية على أبناء جهته الصغرى (المنستير) والكبرى (الساحل)، من رؤساء البلديات إلى الوزراء، ومن مديري المدارس الابتدائية إلى رؤساء مراكز الشرطة. أدّى هذا الوضع إلى تعميق الفوارق بين الجهات وتنامي الشعور بالغبن وبالتهميش لدى بعضها. فانعكس هذا الأمر على المشهد التونسي، بداية من الصراعات السياسية الكبرى (الحركة اليوسفيّة)، محاولة انقلاب 1962 ، والتحركات القومية العربية فاليسارية فالإسلامية، وصولا إلى ما كان يحدث من تلاسن وعنف في الملاعب الرياضية.
اندلعت ثورة 17 ديسمبر- 14 جانفي في الجهات المنسية والمُعدَمة؛ فكانت تحمل رفضا لهذه الجهويّة المترسّخة والمتجذّرة، ورفضا لما أفرزته من فوارق طبقية وفي التنمية بين جهات البلاد، وما تبع ذلك من عدم توازن في التوزيع الجغرافي للسكان، بحيث يتوزع نصف سكّان البلاد، تقريبا، على منطقتي تونس الكبرى والساحل الكبير، حيث الصناعات والسياحة والخدمات والأعمال.
تعتبر إذًا، قضية التنمية العادلة في قلب الصراع ضد النظام البائد، وكذلك ضد قوى الثّورة المضادة الّتي تسعى إلى تأبيد التوازنات الاجتماعية السائدة منذ أكثر من نصف قرن. ولا يمكن اليوم - لاسيما بعد ما عاشته البلاد من زلزال سياسي - طرح قضية التنمية كشعار "مُوضَوِي" عند بعض الأحزاب والنّخب الجديدة، ولا في إطار الهياكل المؤسسات القديمة من ولايات ومعتمديات، إلخ..
لا بد من إعادة صياغة التّقسيمات الجغرافية والإدارية للبلاد بمنظار جديد، يقطع مع مركزية الدولة الّتي لم نجن منها غير الويلات من استبداد وفساد. إنّ التخلّي عن مركزية الدولة هو القطيعة الثّورية بحق، وليس كما يتصور البعض، من أنّ التحول من نظام رئاسي إلى نظام برلماني سيحلّ كلّ المشاكل؛ فقد لا ينجرّ عن ذلك إلاّ انتقال السلطة من فرد إلى مجموعة أفراد.. النخبة..
لا بد من تنزيل الديمقراطية إلى أضيق الدوائر: الحي، القرية، البلدية، الجهة، الإقليم.. فتونس في حاجة اليوم إلى نقل السلطات وتوزيعها عبر جهات البلاد، وإلى أكبر عدد من الناس.. فما معنى "المواطَنة"، إذا لم تكن ممارسة للسياسة، وهي الشأن العام، من قبل كلّ أفراد الشعب؟
إنّ من أعظم إنجازات الثورة، إذا ما أراد القائمون عليها القطيعة الفعلية مع النظام البائد، هو إعادة تشكيل المجال الترابي (le territoire) بتقسيم البلاد إلى ستة جهات أو أقاليم كبرى، تراعى فيه الأبعاد السكّانية والتاريخية والثّقافية والجغرافية:
1- جهة أو إقليم تونس الكبرى، ويضم بالإضافة إلى ولايات العاصمة الحالية، ولايتي زغوان ونابل (حوالي 3 ملايين ساكن).
2- جهة أو إقليم الشمال الكبير، ويضم ولايات بنزرت وباجة وجندوبة والكاف وسليانة (حوالي 2 ملايين ساكن).
3- جهة أو إقليم الساحل القيرواني، ويضم ولايات سوسة والمنستير والمهدية والقيروان (حوالي 2 ملايين ساكن).
4- جهة أو إقليم الوسط الكبير، ويضم ولايات صفاقس وسيدي بوزيد والقصرين وقفصة (حوالي 2.5 مليون ساكن).
5- جهة أو إقليم الجنوب الكبير، ويضم ولايات قابس ومدنين وتطاوين وقبلّي وتوزر (حوالي 1.5 مليون ساكن).
6- جهة أو إقليم) تونس بالمهجر (أو بالخارج، وتمثّل الحظور التونسي خارج حدود الوطن، في أوروبا وأمريكا الشمالية والعالم العربي، فبقية بلدان العالم (أكثر من مليون مواطن).

ومن خصائص هذا التقسيم إلى ستة جهات أو أقاليم أنّه:
1- يراعي الخصوصيات السكّانية والتاريخية.
2- يأخذ بعين الاعتبار التوازن العددي للسكان.
3- يمكّن كلّ جهة من العمق الترابي ومن واجهة بحرية تكاد تتساوى فيها جميع الجهات.
4- يحدث توازنا اقتصاديا بين الداخل المعدم والواجهة الساحلية المحظوظة عموما.
5- يجعل من الحظور التونسي في الخارج ركيزة من ركائز التنمية الاقتصادية والثقافية والعلمية، وجسرا للتواصل البناء مع الآخر.
وتدار هذه الجهات بواسطة مجالس منتخبة لفترات نيابية معقولة (بين خمسة وسبعة سنوات). وتعطى لهذه المجالس صلاحيات هامة:
1- كالإعتناء بشبكة الطرقات والنقل الجهوي وسكك الحديد الجهوية وإخراج الجهات المعزولة من عزلتها.
>
2- الإعتناء بالبنية التحتية التعليمية، من مدارس ومعاهد ثانويّة وجامعات وسكن جامعي ومطاعم، إلخ.
3- الإعتناء بالقطاع السياحي مع الأخذ بعين الإعتبار الميزات الطبيعية والأثرية والتراثية لكلّ جهة.
4- الإعتناء بالقطاع الثقافي وبالمخزون الأثري وبالمحافظة على التراث، وإقامة متاحف جهوية ومسارح وقاعات كبرى لاحتضان العروض الموسيقية والمسرحية، وإحداث مدارس جهوية للفنون الموسيقية والدرامية.
5- الإعتناء بالقطاع الصحي وذلك بإحداث قطب طبي متقدم في كلّ جهة، تكون فيه كل الاختصاصات، ومجهزا بالتجهيزات الطبية الحديثة، مع دعم الشبكة الصحية على نطاق واسع في كلّ جهة للوقوف على مسألة الوقاية من الأمراض، ونشر الثقافة الصحية.
6- الإعتناء بالبيئة وبالثروات الطبيعية ووضع سياسات جهوية للتصرف في الثروات المائية والغابيّة ومقاومة التصحر والتلوث والزحف العمراني الفوضوي وحماية السواحل وإقامة المحميات الطبيعية في كلّ جهة.
7- إقامة الشراكات والتعاون مع المحيط المغاربي والمتوسطي خاصة، والعالمي أيضا، بما تقتضيه مصلحة كلّ جهة، وبتشريك متقدم لجهة تونس بالمهجر.
8- الإعتناء بالوظيفة لعمومية الجهوية، بما تعنيه من توفير وتحسين الخدمات العامة للمواطنين.
كلّ هذه المهام والصلاحيات تتم عبر التعاون مع الدولة عبر الوزارات المختصة، مع ضرورة إعادة تشكيل المنظومة الجبائيّة..

ويؤخذ بعين الإعتبار في تحديد مركز الجهة أو الإقليم ومقر مجلسه المنتخب، التوسط الجغرافي (la centralité) والتوازن التنموي المطلوب تحقيقه بين مناطقه:
- فتكون باجة مركزا لجهة الشمال الكبير،
- القيروان مركزا لجهة الساحل القيرواني،
- وسيدي بوزيد مركزا لجهة الوسط الكبير،
- وقبلّي مركزا لجهة الجنوب الكبير،
- وزغوان مركزا لجهة تونس الكبرى.
في حين تقوم المدن الكبرى المزدهرة بدور المحرك التنموي للجهة ككلّ.
الجزائر العاصمة، ماي-جوان 2011
(يتبع)