
قد يبدو عنوان المقال غريبا وفيه بعض استفزاز.. وهو كذلك!
لماذا تركيا؟
الكلّ يتحدّث اليوم في تونس عن تركيا، وسط دعوات تطلق بين الفينة والأخرى للتوقف عن ذلك والاهتمام بالشأن الداخلي "التعيس" عموما.. والحال انّ كلّ ما يجري في العالم اليوم بات شأنا داخليا: بداية من سوريا واليمن والعراق وليبيا وانتهاءا بموضوع الحال تركيا، مرورا بفرنسا وألمانيا وروسيا والصين (بومنديل وما جاوره!) وايطاليا واسبانيا والبرتغال (بطولة اليورو طبعا!).. كلّ ما يحدث هناك له انعكاساته هنا.. مع فارق "الفعل".. فالتونسي لم يبتدع مقولة "الفمّ الحارك والطيز البارك" جُزافا!
كلّ أحداث العالم تجد صداها في تونس البلد الصغير، تأتي في كلّ مرّة لتؤكّد حقيقة الانقسامات الداخليّة وعمقعها.. ولو لا لطف الله بهذا البلد، وحرص التونسي عموما على تجسيد المقولة الآنفة الذكر قولا وفعلا (مقولة الفمّ الحارك…)، لكانت حربا ضروسا، ولسالت الدماء لحدّ الركب..
أبرز الانقسامات التونسيّة للعيان وأشدّها وطأة، هي تلك التي تدور رحى حربها على الساحة الفايسبوكيّة والإعلاميّة.. وهي من حيث الشكل أقوى تجسيدا لمقولة "الفمّ الحارك والطيز البارك"، حيث يكون خائضها جالسا أو مستلقي أمام حاسوبه و"شطراف أعطيه.. مازال يتنفّس.. يكوّر بيهم.. شلبوق لا يقرأ لا يكتب.. انشرها ولك الأجر".. (هذه بعض أنواع الأسلحة المستعملة).. أو جالسا قبالة كاميرا تلفزيّة "متخمّرا" مرغي مزبدٍ باللّغة الخشبيّة.. في كلّ الحالات "الطيز بارك والفمّ حارك!".. طرفي النزاع شقّين كبيرين.. وللشقوق في بلدي حكاية أخرى.. "شقّ الثورة" و"شقّ الثورة المضادّة".. ولكن هناك تسميات وتصنيفات أخرى للفئتين ذاتهما.. "جماعة الهويّة" و"جماعة النمط".. "الخطّ الوطني" و"الخطّ الآخر".. "العائلة الديمقراطية الحداثية" و"الإخوان الدواعش" إلخ..
الغريب في الأمر أنّ الفئتان تعتبران نفسيهما بفعل "التخميرة" التي قد تصل إلى حدّ العمى السياسي وجنون "المهبولة الّي زغردولها في أُذنها" (وهي حكمة تونسيّة أخرى) ممثلتان لغالبيّة الشعب.. وهو خطأ ووهمٌ حسابيّ فادح تؤكّده تحركات الشارع اليوم.. لنأخذ بعض الأمثلة على ذلك: الحملات المتتالية من "وينو البترول" إلى "كلّنا حلب" مرورا بمناهضة "قانون المصالحة" وب"الاعدامات في مصر" وبالتنديد بمحاولة الانقلاب في تركيا وغيرها من التظاهرات المشابهة لا تضمّ في أحسن الحالات أكثر من بضعة مئات بما فيهم من تعاطف من مارّة أمام المسرح البلدي بالعاصمة.. بالجهة المقابلة، لا يزيد عدد من ينزل في مظاهرات "شكون قتل شكري؟" و"يا غنوشي يا سفاح يا قتّال الأرواح" الدوريّة، أكثر من بضعة عشرات، هم جزء من زبائن مقهى "لونيفار" ومقهى "الكوليزي"..
هذا هو كنه الانقسام الصاخب والبارز للعيان.. أمّا الانقسام الآخر.. المسكوت عنه فهو الذي يتشكّل من فئتين غير متوازيتان:
- الأولى هي كلّ من ذكرنا مجتمعون.. أي "النخبة" الفايسبوكية والسياسية (حزبيّة وغير حزبيّة) والإعلاميّة والثقافية وبعض رجال الأعمال والقيادات النقابية العمّالية والنقابات الأمنية وبعض المحامين والحقوقيين وبعض العاملين في المجال الجمعياتي.. أكاد أجزم أنّ عدد هؤلاء جميعا لا يتجاوز في أحسن الاحتمالات الألف إذا ما استثنينا مناصريهم في المناسبات الكبرى (الانتخابات مثلا).
- الثانية هي باقي أفراد الشعب التونسي "إلّي ما على بالهمش".. وهم من يملؤن المقاهي لمشاهدة المقابلات الرياضية بمناسبة وبغير مناسبة، ويملؤن المساجد، والأسواق والمحلات التجارية، والملاعب الرياضية، و"الشطوط"، و"العروسات"، والشوارع والساحات العامّة.. هم في كلّ مكان.. وبازدحام.. ولكن "بايعينها بلِفْتة"، "ماهم معدّلين على شيء".. وعددهم 10ملايين وكسور.. وأكبر مؤطّر لهذه الجموع هم المقاهي التي تتكاثر بشكل ملفت للنظر، في "البحيرة" وفي "حي النصر" وفي "المنازه" وفي "العوينة" وفي الضواحي.. ويبدو أنّ معظم تمويلات هذه المشاريع الضخمة هي تبييض لأموال التهريب والتهرّب.. ويؤطّر هؤلاء أيضا سامي الفهري ببرنامج "الصندوق" ومسلسل "أولاد مفيدة" في رمضان وب "عندي ما نقلّك" و"عندي ما نغنيلك" في سائر أيام السنة.. وزد على ذلك المسلسلات تركية و"القلوب" تركيّة.. والمادام تسلع في تركيا.. فهمتم بأنّ ما يحدث في تركيا هو شأن داخلي؟!
حراك شعب المواطنين في تركيا؟
حراك شعب المواطنين بالمفهوم العام هي تجسيد لتغلغل الوعي لدى أوسع قطاعات الشعب بمبدأ "سيادة الشعب".. هذا الوعي الذي يتجسد في ممارسة الفعل السياسي على أوسع نطاق بدون تفرّد واحتكار له من قبل "فئة مختصّة".. كلّ من تحدّثه نفسه بتجاوز مبدأ سيادة الشعب، يجد هذا الأخير له بالمرصاد.. هذا ما حدث في تركيا إبّان محاولة الانقلاب العسكري النابع من عقليّة تكاد تكون انقرضت بفعل التقدّم والتحضّر الذي بلغتهما هذه الدولة وشعبها، خلال العقدين الأخيرين خاصّة.. وإن كان هناك في "نخب تونس" من لا يزال يختزل من تصدوا في تركيا، بصدور عارية للدبابات وللمدافع.. يختزلهم في ميليشيات حزب أردوغان، وفي "السوقة" و"الرعاع" الذين ربّما نزلوا للشوارع طمعا في "كسكروت" او في "علّوش العيد"!
فكرة "شعب المواطنين" فكرة جميلة، عبقريّة وراقية.. أُطلقت في تونس بُعيد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، من قِبَل الدكتور محمد المنصف المرزوقي، ووجدتْ صدى لدى جموع من صوّتوا له، أملا في صياغة وعي جديد محوره مبدأ سيادة الشعب.. وأملا في ملئ فراغ الساحة السياسيّة التونسية، بل وخلق فضاءات جديدة ومفتوحة للسياسة وابتكار طرق عمل جديدة تقطع مع احتكار السياسة من قبل "محترفيها" وجعلها أمرا مُشاعا.. واختمرت الفكرة بعض الوقت اللازم لصياغتها.. ولكنها وُؤِدتْ في نهاية الأمر ولم تر النور.. ذلك أنّ عقليّتيْ "الإنقلاب" و"المُوازي" متجذّرتين لدى التونسي عموما ولدى نخبه خاصّة، لا سيّما الحزبيّة منها.. وُؤِدَ مشروع ضخم أفقه مستقبل الوطن، على مذبح مشاريع صغيرة آفاقها لا تتجاوز الحسابات الحزبيّة الضيّقة والحسابات الفرديّة الأكثر ضيقا..
الإنقلاب بين مندّد ومبارك..
من الطبيعي جدّا أن تبارك "النخب" المنبتّة ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا عن شعوبها الانقلاب في تركيا.. فهي لا تر خلاصها وحماية مواقعها ومكاسبها الاجتماعية والسياسية والطبقية إلاّ في ظلال أنظمة عسكرية دموية.. وهي لا تر لخصومها مكانا فيما عدى السجون والمنافي والتصفية الجسدية.. فالمسألة عندها مسألة حياة أو موت.. هذا معقول..
ولكن المسكوت عنه، هو أنّ، حتّى الذين يندّدون في تونس بانقلاب الجيش في تركيا هم، في جزء منهم، انقلابيون في عقليّاتهم، وفي تصرفّاتهم.. انظروا كيف تُدار الأحزاب، جميعها.. انظروا كيف تدار الحياة السياسية في البلاد.. انقلاب على نتائج الانتخابات.. انقلاب على الدستور.. انقلابُ شقوق على أخرى.. انقلاب على وزير أوّل.. ويسمّون عقلية الانقلاب "توافقا"، "تكتيكا"، "تشبيبا"، "تأنيثا"، "طبيعة المجتمع التونسي" وهلمّ جرّ ممّا اعترضنا ويعترضنا يوميا في حياتنا السياسيّة الضّحلة..
الانقلاب عقليّة.. وما لم نستأصل هذه العقليّة فسنظلّ في الحضيض، نشاهد ما يدور حولنا في العالم، كمن يشاهد، متشنّجا وغاضبا وشاتما تارة، ويقفز فرحا صارخا ومبتهجا طورا، مباراة من مدارج الملعب.. "الفيراج".. لا أثر له على الكرة ومآلاتها..