المقامة المهرجانيّة "التطويع والتطبيعْ في مهرجان افريقيّة البديعْ"

Photo

حدثني ابي المقعار قال:

داهمنا الصّيف ونحن في ربوع افريقية، وكنّا قد جهّزنا العِيرْ، وأعلنا النَّفيرْ، وعزمنا على المَسيرْ، فنحن أهل حِلٍّ وتِرْحالْ، وخِيام وأوتادٍ وحِبالْ، إذا مللنا السّهول نادتنا الجِبالْ، وإذا لفظتنا البَرارِي احتضنتنا الصّحارِي... وبينما نحن في جلبة السّفَرْ إذْ نادى المُنادي إلى أين المَفرّْ، وقد حسبناكم ظفرتم في أرضنا بخير مُستقَرّْ. هل رأيتم منا ما تكرهون؟ وهل وجدتم في بلادنا غير ما ترجون؟ فقلنا ما عاذ الله! بل وجدنا كلّ خيرٍ نَرُومَهْ، وكرم الضيافة أفحمنا منكم، شعبا وحكومهْ. بل وشاركناكم ماءا وملحا وطحينا و"زْهومهْ"، وتعلمنا منكم أين نَبولْ، وأكلنا من خبز و"كرواسون" الخباز بُولْ... وحتّى ما لحقنا في الأسواق من بعض "غشّة"، وفي الإدارات من "كشّة" و"نشّة"، خفيف لطيفْ، يحدث في أرقى الدول وأسمى الحضارات، ولكم أن تسألوا كل عالم بالتاريخ عِرِّيفْ…

وطفقنا نعدّد ما وجدناه في افريقيّة من فضائلْ، وما لمسناه عند أهلها من شمائلْ، حتى خِلْنَاها أرض انفصلتْ بعبادها منذ العصور الجَلِيديّة عن بعض الممالك الاسكندينافية... وقد قال بهذا الرأي أهل "مذهب النمطيّة"، ممّن يطلق عليهم، غيرة وحسدا وجورا، "الحثالة الفرنكوفونيّة"... وهم قلّة قليلة، أهل رخاء ونعمة وحيلة، أسود على بني جلدتهم، ممّن استقروا وراء "البلايك" وكذلك جلّ العوام، ودجاج يدين بالطاعة لحظرة المقيم العام.

وبعد شديد التوسل، وطول المناشدة –وهو فن يتقنه أهل هذه البلاد ولا يشق لهم فيه عِنانْ- رضخنا، رغم عزمنا على المسير، واخترنا الإذعانْ. وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال يا قوم لا تبرحوا المكانْ! هلْ أدلّكم على ما يدخل الفرحة على القلوب ويزيل عنها كلّ الأحزانْ؟ هل أدلّكم على ما يروق لكلّ ذوّاق فنّانْ؟ قلنا ويحك تكلّم فقد شوّقتنا، فها نحن كلّنا آذانْ. قال بعد ان استعاد أنفاسه: "المهرجان... المهرجان... عليكم بالمهرجانْ". قلنا وقد نفذ صبرنا وما المهرجان؟ قال: هو أعجوبة الأعاجيب، ورثناها عن أسلافنا الرومانْ... بنوا له مسرحا، واختاروا له هضبة قرطاجة حيث يعلو المكانْ. لا يخطئه الزائر، فهو بين قصر الرئيس القارّْ، ومسجد الرئيس الفارّْ. ومن محاسن هذا المهرجان أنّ مرتاديه تتراوح رتبهم من العامّة إلى ذوي الصولجانْ، وأنّ خشبته حملت "فادرة" حسناء الرومانْ و"سوفيّة" صاحبة "بالأمن والأمانْ"...

سألناه: وما الحفل الليلة فقد هزّتنا الأشواق ونحن من ذوي الأذواقْ؟ فأشار إلينا بإشارة الصمت والحذرْ، وأطال من حوله النظرْ... وكأنّه سيبيعنا "زطلة" أو بضاعة ممّا بالقانون قد حُظِرْ... ثمّ قال بغمغمة المتردّد المحتارْ، وبتلعثم الماكر الغدّارْ... حفل الليلة حفل تحابب وتطبيعْ، يحييه ابن هذا البلد البار الوديعْ، ميشال أبو جناح وهو فنان بديعْ، هو ممّن رضعوا من ضرع هذا البلد الحليبْ، وكان فِطامهم هناك في تلّ أبيبْ، وممن يحنّون لربوعنا الى حدّ البكاءْ، وعينهم في ذات الوقت على حائط المَبكَى... قلوبهم لفولكلورنا تلينْ، وقنابلهم تقطّع أوصال فلسطينْ... يدّعون حبّ "الفزّاني" و"الكفتاجي" و"الربوخ"، ويقتلون بغزّة وببيت المقدس الأطفال كما الشيوخ... وقد انقسم الناس هنا في أمر هؤلاء إلى فرقتين، "جماعة النمطيّة" وهي التي تقلّد الفرنجة في المأكل والمشرب والملبسْ، و"جماعة الهويّة"، وهي التي لا تزال، في هذي الرّبوع، تقيم وزنا لبيت المقدسْ...

قاطعناه وقد تبيّن لنا أمر الخلاف فبات واضحا كالبدر المنيرْ، "وأين الدولة من هذا الأمر، وأين الوزيرْ؟". هنا ضحك صاحبنا إلى أن بانت منه كل الأسنانْ، وقال عن أيّة دولة تتحدّثانْ؟ عن دولة يحكمها رأس المال الجبانْ، ويرتع فيها سفراء الفرنجة والأمريكانْ؟ قاطعناه: وأين الإدارة؟ أين البرلمانْ؟ فأجاب وقد استحال ضحكه الى قهقهة تصمّ الآذانْ: الإدارة في جسم هذي البلاد، عافانا وعافاكم الله، هي بمثابة السرطانْ... أمّا عن القابعين في باردو تحت قبة البرلمانْ، فلا نعرف ان كانوا هم من الانس أم من الجانْ... يتحدّثون بلغة لا نفقهها، ويمارسون السياحة بين الأحزاب واللجانْ، يدّعون تمثيل الشعب وهم على الشعب وزر ينوء بحمله الثّقلانْ ... ناهيك وأنّ هؤلاء لم يروا في التطبيع جرما ولا شنآنْ... سألناه: فأين العين الساهرة على الأمن والأمانْ؟ فردّ بصوت يتخلّله التحفظ والرويّهْ: هي عين "النقابات الأمنيهْ"، فهي تصول وتجولْ، ولها في كلّ أمر ما تقولْ... قاطعناه وما دخلها في المهرجانْ؟ هو يهمّها ما دام فيه "حَلْبَانْ"، كدخول الأحباب والأصحاب بالمجانْ... وان لم يعجبها فيه مدير أو فنّانْ... هدّدته، وربما اعتدت عليه باليد واللسانْ... ألمْ يأتكم خبر "كلاي بي بي جي" فنّان الرَّابْ، الذي ساموه في عاصمة الفاطميين أقسى العذابْ؟ فما كان لينجو من بطشهم، لولا نجدة فتية المدينة والشبابْ…

هنا تركنا صاحبنا ونحن نقول:

أتدعونا لمثل هذا المهرجانْ،

فتستنجد لاستدراجنا بالجغرافيا وبالتاريخْ،

والحال أنّه مكان تطبيعٍ وتمييعٍ و"تَفْشيخْ"

ونحن على حبّنا للتاريخ بما فيه من عُرْبٍ ويونانٍ ورومانْ

نريد لعقولنا السلامة ولأنفسنا الأمانْ

فلتأنسْ يا هذا لوحدك بالمهرجانْ...

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات