
تشهد بلادنا حراكا فكريا و سياسيا لم تعرفهما سابقا، فلأوّل مرّة تضع السّلطة نفسها محلّ سؤال ، و تتخلّى عن السّيطرة الانفرادية الضّيقة. و تبتعد عن الاستنجاد بكهنة الحراسة الفكرية للشعب كي يضعوا ضوابط تكبح جماح كلّ من يحاول الاقتراب من المعبد السّياسي الكهنوتي. وهاهم يحبّرون الرّسائل المفغنسة كي يسترجعوا حبائل تحريك الدّمى السّياسية.
ويبدو أنّ هذا التّوجه الجديد الّذي فرضته التقانة التكنولوجية التواصلية جعل التّفكير في مشروع وطني حلم كلّ فرد مهما بدت محدودية تفكيره، فلا تقزيم و لا تحقير، فالكلّ مهما بدا صغر شأنه مهمّ في تشييد هرم الوطن، و لم يعد للاحتكار فرصة لنيل المراتب السّنية.
و أضحت المعلومة غالية الثمن و مغيّرة الأوضاع في مرمى لمسة سحرية بجهاز خلوي تعشق الوطن، فينكشف الزّيف و تزول المظالم المتعدّدة. و أصبح الأمن الافتراضي مسارا يربك الحسابات الخدّاعة و السلوكيات الازدرائية للمواطن و الوطن.
أصبح الهيام بالوطن و تغييره إلى الأفضل شغفا حلالا بعد أن كان حراما زؤاما يجلب سخط الرّقاعة و العصا الوجّاعة و القيد الكاسر للمعصم المهموم بتطريز شرنقة في الوطن، ولم يعد الخضوع دليل براءة من شرور الأوباش وضاعت تأشيرة الطّاعة العمياء و الولاء السّافر للمستبدّين دون الوطن.
كم طالت أوجاعك يا وطني.
و اليوم يعودون من جديد كأنّ الماضي لفـّه النسيان. يجترّون علكة البؤس الخانق و الضياع القاتل.
اليوم أصبح فقيرنا همّهم و جاهلنا محطّ أنظارهم، و حتى قنوات تصريف المياه التي عانت من الاختناق زمن صولتهم السلطانية أضحت منارة تفكيرهم التّطهيري.
يودّون لو نرسل وراء الشّمس فتخلو لهم المدينة و القرية الشّامخة. فيضعون في سروايل أنانيتهم كلّ مالنا المقترض لقاء سوء اختياراتهم.
خرائب تصرّفاتهم الصّبيانية أوصلت الشّعب إلى مديونية خانقة. ومــــــــــــــــازلوا مازالوا يريدون التّحكّم الفالس و يؤبّدون الرّؤية الفاشلة.
..........واصلوا........ إنّ غدا لناظره لقريب. و ستكونون حطبا لا يباع و لا يشترى و لا يثمر.