الاستقالة الدّستورية

Photo

تابع جمهور السياسة تراجيديا الانتقام اللّطيف. فالقابضون على جمر الإقالة اصطفوا في سرادق يريدون النهش الكلامي و العزاء البروتوكولي، وقد راعهم أن يتمسّك رئيس الحكومة بالبرلمان ملجأ أخيرا له. فلقد اختار هذا الأخير أن يعزله، أن يقيله، أن يخرجه نواب الشّعب مثلما وضعوا ثقتهم فيه. وهو لعمري اختيار ماكر، فقد مكّن لأساس دستوري عند التعيين أو الإقالة. وهو بذلك خدم منصب رئيس الحكومة القادم و جعل مجرّد التفكير في " تلويحه" بعفو اللسان و الخاطر أمرا ليس يسيرا، بل مستحيلا.

وكان نواب الشّعب المبيّتين لأمر معروف و الأصفياء و المؤدلجين و المستقيلين في الموعد. فاستمعوا إلى كلمة رئيس الحكومة الّذي أبدى حسّا وطنيا رفيعا عكسه حرصه على إرجاع أمانة الحكم لأصحاب التّشريع. وهي نقطة تحسب في ميزان إيمانه بالدّستور. و خروجه من باردو وليس من قرطاج.

اتّضح البارحة أنّ مجلس الشّعب كان في غالبه فاهما عارفا وطنيا حتى في تفضيل المصلحة الآنية على الصّلاح الآجل. الكل كان يشرب هوى الحبّ لهذا الشّعب؛ ولكن للأنانية أحكامها و المصالح أفضالها، فلذلك خيّرت طائفة أن تكون تابعة لشيعة الشيخين، وهي منتقدة لهما. وكانت الطّائفة الغالبة مشتتة غارقة في الصّراع الأيديولوجي و النرجسية الفوقية و عقدة قتل الأب.

نتيجة التّصويت كانت - في اعتقادي- انتصارا ساحقا لاختيار رئيس الحكومة التّوجه إلى البرلمان. فالّذين رفضوا تجديد الثقة 118 و البقية 99 كانوا بين رافض و محتفظ و غائب. فيمكن اعتبار رئيس الحكومة خسر بالنقاط، وليس بالضربة القاضية. وبقي البرلمان -على نقائصه- منارة التّشريع و القبول و رفض المسؤولين مهما علا شأنهم. فلا أحد أكبر من الشّعب.

كثر الحديث البارحة عن الفساد. و اعتبر بعض النواب أن رئيس الحكومة فشل في مواجهته. و اختزلت نائبة مظاهره في الرشاوي و الكونتنارات الدّاخلة. هذا سيّدتي فساد من الدّرجة العاشرة.

الفساد الحقيقي هو في غياب المشروع المجتمعي الّذي سيجعل الشّعب و البلد يتقدّمان. ذئاب المافيا تشتغل وفق إرادة تطبيق القانون وغيابه، و يكيّفون وجودهم في مساره. و أحمق من يظن أنّ الفساد يمكن القضاء عليه. هو مثل تلوّث الهواء تستنشقه ولا يمكنك غير تصفيته.

انتهت عملية التّصويت، وخرجت بلادنا في أحسن حالاتها. و البعض الّذي يظن أنّ يوم البارحة هو تقهقر إلى الوراء، و يوم أسود، عليه أن يبحث عن تسجيل سابق لبرلمان الاستبداد و كيف كان الصّدى يردّد إجماع و النّواب "باع باع" على صوت ثغاء الغنم.

رئيس الحكومة استطاع أن يخرج من الباب التشريعي، و استقالته كتبها نوّاب الشّعب، و صاغتها الألسنة الخبيثة و جرّحتها الأغلبية الصّامتة،وربّما حرم نفسه من وسام سيعلّق في رقبته، ولكنّه علّق أمال الشّعب في شمّاعة البرلمان، و أرجع لهم حمل الحكم الثقيل بالدّسائس و المكائد و النزوات. فالحكم في بلد العرب أساسه الوقيعة و خلفيته الخديعة. فخرج الّرجل راميا بالكرسي عرض الحائط تاركا القارب يهزّ الوطاويط الّتي بشّرت بالخير بعده.

الان رئيس الحكومة السّابق في التاريخ. وهم سيخرجون من دواميس السقوط إلى سراديب الظّلام حتى يفهم الشّعب أنّ الانتخاب ليس لعبة أموات أو نزهة رشوة علنية. البلد سيحاسب كلّ من سمسر بعرق أبنائه و جعلهم في قاع الدّيون و فراغ السّؤال.

الشّعب سجّل كلّ كلمة قالها المتآمرون على رئيس الحكومة السّابق. فالغد قريب و الحساب قد يكون سريعا. فالوطن ليس لعبة في يد الممرمدين و المرعبين و الخارجين عن القانون.

لنا أبناء شرفاء سيستعيدون الثقة في أنفسهم و ينتصرون إلى الوطن.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات