
بقي لنا من درس شرح المعلقات مشهد عنترة العبسي يمجد خصمه ثم يجهز عليه فلا يبقي منه إلا غذاء الوحش في البراري. ما كان لانتصار عنترة أن يكون عظيما لو لم يكن الخصم مدججا يكره الكُمَاة نزاله. إن مشهد الانتصار مغرٍ دوما بالاستعادة. إنه يخلق حالة توازن نفسي ثم ينقل التوازن إلى التفوق ثم يجعل التفوق حالة نفسية دائمة تنقلب غالبا إلى انغلاق على الذات خشية انكشاف الحقيقة أن لا نصر يدوم. ويبدو أنه لا بد من إيجاد شيطان رجيم ليتبين به وجه الحق القويم. ولكل شيطانه يبني بلعنه جنته.
على هذا القياس يمكن تأمل خطاب العرب السياسي منذ نهضتهم حتى الربيع العربي فنجد على هدي من تعاليم عابد الجابري أن عنترة ليس حالة فريدة في تاريخ اختلاق الانتصارات النفسية التي ترفض نقد ذاتها. وهذه الآلية القائمة على اختلاق العدو لتمجيد الذات. آلية شاملة تخترق كل التيارات الفكرية وهي بالأساس أداة عمل كل المفكرين العرب الذين بثوا فيروسات الانتصارات الوهمية في أذهان الشبيبة ومتَّعوها بعنترياتهم فاستكانوا لها. .
ونعرض هنا إلى ثلاث صور هي مجمل مدارس الخطاب الفكري والسياسي العربي منذ تخليص الإبريز.
الجاهلية مقابل عنترة المسلم.
يقوم الإسلامي وخاصة منذ انتشار الوهابية في الجزيرة العربية وانتقالها بمسميات مخففة إلى مصر والشام ثم المغرب العربي ببناء صور محددة لما قبل الإسلام فيسمي كل ما سبقه جاهلية. ويضع داخل وعاء الجاهلية كل ما هو نقيض للإسلام. بما يجعل الإسلام الذي يبشر به حالة من الانتصار على الذات وعلى شياطين الإنس. أي إسلام صاف منتصر . من أجل ذلك يقوم الإسلامي المنتصر لفكرته وبها بانتقاء عناصر محددة من الجاهلية ليجعلها مرحلة لا يمكن إلا رفضها والهروب منها إلى الملجئ الجديد. فتضخم الحروب القبلية وتصير داحس والغبراء هي الحقيقة الوحيدة بينما يخفف تشريع الأشهر الحرم التي يمنع فيها الاقتتال لتطوير التجارة والتبادل. يضخم وأد البنات وخاصة وئد عمر لابنته. (وأكله لربه الذي صنعه من الحلوى) ويغفل أمر التواصل الديموغرافي العربي الذي وفر جنودا بأعداد كافية لفتح العراق والشام . ويغفل قصيد الحكمة السامية لزهير بن أبي سلمى أو قول الرسول عن عنترة نفسه وودت لو أدرك الإسلام. ويغفل خاصة حديث الاستمرار الإنساني (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).إي البناء على الموجود وتطويره لا نقضه لاختراع صفر تاريخي والبدء منه. يغفل ما هو أهم من أجل اختراع نقطة بداية عنترية حاسمة مع عدو كبير. إن الإسلام تواصل لمنظومة قيم وأخلاق ومؤسسات بدأت واستمرت بانقاطاعات ولم تندثر أبدا
تقوم هذه البداية النقية بجمع الناس حول الفكرة الجديدة بتخويفهم من نقيضها(البيعة المؤمنة ضد الميتة الجاهلية ) فينخرطون في الجديد خوفا من القديم أكثر مما يفعلون اقتناعا بالجديد. إنها فكرة ملجأ نفسي تمنح الطهارة الكاملة وسلامة النية وحسن المقصد وتجعل كل مخالف عدو. ويختبأ داخلها غالبا زعيم روحي (يجمع الروحي بالدنيوي)يبني كاريزمته على حضور عالم بكل شيء وممسرح في ظهور نبوي. فلا ينقد ولا يعترض على قراراته ويخلد في القيادة تماما كما كان خليفة المسلمين (وهذا التخليد هدف من أهداف التأسيس من صفر حيث يربط الصفاء الجديد بخالقه أي الإمام أو الزعيم أو شبيه النبي). ينتهي المؤمنون إلى قناعة أنهم وحدهم ملاك الحقيقة وأنهم المختارون لتبليغها ومعاقبة مخالفيها. يشوه التاريخ لإصلاح الحاضر ويزيف الوعي باللحظة لتحفظ الدعوة كيانها التنظيمي والبشري ويجمد النقد لإبقاء الزعيم مكانه. أما السؤال عن النجاعة في التغيير فيصير خيانة مشبوهة.
ويمكن تتبع آثار هذه الآلية في التفكير في كل جماعات الإسلام السياسي الحديثة منذ الوهابية. بل يمكن أن نجد لها آثارا في كل الحركات الإسلامية الاحتجاجية عبر تاريخ الإسلام فكل فرق الخوارج وفرق الشيعة التي تمردت على الحكم المركزي مارست التطهر من الموجود لتؤسس لوضع جديد بالتخويف أكثر مما فعلت بالإقناع. واعتقد أن الانطلاق من خلفية دينية طهورية ينتج هذا النمط من التفكير الخلاصي وعند حد معين يكتشف عجزه عن التطور والتعايش مع الواقع فيتكلس وينحو إلى التكفير ثم العنف ثم الاندثار.(ويعطينا تاريخ الأديان إمكانية التعميم على كل الفرق المسيحية الأصولية إلا اللوثرية تقريبا). لكن هل هذا التكفير الخلاصي حكر على الفرق ذات المرجعية الدينية؟
الرأسمالية عدوُّ عنترة اليساري.
يقوم اليساري بعمل مماثل ليقود الناس إلى طرحه الاشتراكي أو الشيوعي المأمول(الجنة في الدنيا). ينطلق من مصادرة ثابتة إنه من أمسك الحقيقة العلمية للتاريخ فصارت ملكه الحصري وكل من فكر خارج سياقه كافر بالعلم أو تحريفي(مرادف المنافق في مجموع مصطلحات الإسلامي) وأن ما يقترحه مسنود بالعلم الثابت الصحيح(هنا يعوض العلم الدين بشكل قطعي). فهو صاحب النظرية العلمية للتاريخ. و أهم مصادرة في هذه القراءة العلمية هي البشاعة الإجرامية للرأسمالية التي ورثت كل عيوب الأنماط التاريخية التي سبقتها.(الظلم والقهر والحيف الاجتماعي). ولذلك يجب الانتقال إلى ما بعدها. لا باعتباره خيارا بل باعتباره قانونا (طبيعيا) يفرض نفسه بحكم تطور التاريخ. ينظر اليساري إلى الرأسمالية فيظهر أنواع الاستغلال البشعة وتكدس الثروات بيد البعض وحرمان الأغلبية الواسعة منها. ثم يخرج للناس التحالف البغيض بين الرأسمالي والكنسي (الديني عامة) فتصير الرأسمالية المتدينة هي مصدر الشرور في العالم(مرادف الجاهلية في مصطلحات الإسلامي). فيصير الحل المنجي من الهلاك هو الانتقال العملي (الثوري) إلى المرحلة التي يملك اليساري مفاتيحها (الاشتراكية ثم الشيوعية ذات يوم قريب).
من أجل أن يستقيم المشهد يتغافل اليساري على أن النهضة الأوربية في الفن والثقافة والتقنية والتنظيم الاجتماعي هي ثمرة الرأسمالية نفسها. وأن ذلك كان سببا حقيقيا للتقدم المادي للإنسان وأن الرأسمالية نفسها قد بنت مؤسسات اجتماعية وعلمية قبل أن يظهر في الصورة اشتراكي واحد. لقد ولدت مكارم التقدم في العصر الرأسمالي لكن إقرار اليساري بذلك هو كإقرار الإسلامي بأن الجاهلية لم تكن شرا كلها. بما يعني تخفيض مستويات الانتظار من المشروع الجديد والإقلال من غنائمه لمن يقوده.إغراء بالتخويف من القديم لاستقطاب بجديد افتراضي (جنة موعودة) إفساد الماضي من أجل إصلاح المستقبل دون قدرة على تعديل الحاضر. ولكن الأمر لا يقف عند هذين التيارين الفكريين والسياسيين هناك المزيد.
التتريك عدو عنترة القومي
التيار القومي العربي هو ثالث ثلاثة ممن بنى خريطته الفكرية والنضالية ثم السياسية على نفس المنوال أي اختراع جاهلية والتبشير بنقضها من أجل جنة عربية موعودة. الجاهلية في هذا المنوال هي التتريك الذي مارسته قومية غازية على أمة محتلة. وهو الأمر الذي أفقد الأمة (كلها) هويتها العربية وغيب حضورها في التاريخ. ولذلك يجب الخروج من جاهلية التتريك إلى إيمان بعروبة صافية منتصرة.(يوجد هنا خلاف في اختراع الجاهلية بين شقوق في التيار القومي فجاهلية البعث لا تشمل التتريك فقط بل تزيد عليه منوال نقد الكنيسة عند اليسار الأوربي فتعتبر أن التجربة الدينية العربية الإسلامية هي تجربة كنسية ظلامية ويخف هذا عند الشق الناصري الذي وصل متأخرا بعض الشيء فاعتبر أن الإسلام الجاهلي هو الإسلام السياسي الذي عارضه) من أجل إثبات التتريك بصفته جاهلية يتغافل القومي على الرابطة العاطفية مع دولة الخلافة فيسميها الإمبراطورية العثمانية (العرق العثماني) ويتغافل على أن هذه الإمبراطورية كنت موجودة من الجزائر إلى تونس إلى ليبيا إلى مصر إلى العراق وأنها لم تمارس التتريك طيلة قرون وجودها بل حمت الكيان العربي بصفته جزءا من الكيان الإسلامي .ولم تفرض مذهبها الفقهي الحنفي على بقية المذاهب كما لم تمنع الطوائف غير السنية ولا غير الإسلامية ولم تمنع تعليم العربية بل نطقت بها وجعلت حروف اللغة التركية عربية. إلى حين زوال الخلافة(أو الإمبراطورية ) فتم استعادة الترك لتركيتهم والتخلي عن العرب للاستعمار الأوربي. ولكن نقض أطروحة التتريك الذي مورس على العرب يفقد القومي العربي جاهليته التي عليها يبني جنته القومية القادمة.
آلية تفكير إقصائية.
تشترك هذه التيارات في نفس التمشي الفكري والجدالي. لا فرق بينها إلا في الأسماء أما المسميات فواحدة. إنها تقصي التاريخ وترفض الاستفادة من منجزه. أو في أهون الحالات تقوم بعملية انتقاء لأخذ عناصر تخدم بها الصورة المبتغاة للمستقبل.( وهي عملية استقرائية شوهت كل التجارب التاريخية الموصوفة بالجاهلية). عملية التشويه تنتج اختصارات وخلاصات سريعة تتحول إلى شعارات جاهزة ومكتملة والشعارات تتحول إلى غذاء فكري جاهز للاستهلاك اليومي في حلبات الصراع السياسي بما يمنع كل جهد نقدي وقراءة استعادية مراجعة للتاريخ.
تنتج هذه التيارات كراسات متشابهة تشرح الفكرة الأولى وتدققها وتمنحها قابلية دائمة للبقاء ومناعة ضد النقد. لذلك فهي سبب رئيسي في الجهل الفاشي بين الناس طيلة قرن ولو دققنا النظر في المكتوب والمقروء عربيا سنجد أن أهمه كتب خارج هذه التيارات ومن قبل أشخاص رفضوا المكوث داخل سجونها(ولو كانوا نشؤوا داخلها).. وليس معنى هذا أنها لم تنتج شيئا هاما ولو قلت بذلك لتحولت الورقة إلى اختراع لجاهلية أخرى تضع كل المشاريع تحت يافطة جاهلية. ولكن كل فكر تمامي هو فكر يرفض النقد ولا يراجع الأسس وينتهي إلى تقديس الأفكار والأشخاص. فينتهي منظومة مغلقة على نفسه. أي منظومة تكفيرية متحجرة.
هذا في تقديري ما يجعل تيارات الفكر والسياسة في الوطن العربي عاجزة عن التواصل والحوار والتفاعل نحو أفق بديل يجمع بين منطلقات التيارات الثلاثة ويجتهد في اختراع حلول لأمة عاجزة عن حماية كيانها القومي وحماية ثقافتها الدينية وتنمية مجتمعاتها للخروج من الفقر والجهل والمرض. فما دامت تفكر بأصولية انعزالية ستظل عاجزة في فهم لحظتها والتعامل مع واقع يتحرك بسرعة الضوء.
لقد منح الربيع العربي هذه التيارات فرصة مراجعة جذرية لأطروحاتها وتكتيكاتها من خلال أمرين مهم أولهما أن منطلقات الربيع وفاعليه الحقيقيين كانوا من خارج هذه التيارات. فقد قال لها صراحة أن تنظيراتها لم تتحول إلى ممارسة ومسارات عمل ثورية وبالتالي دعاها إلى تثوير نفسها لفهم ما يجري حولها.
وثانيها أن تلدد هذه التيارات في التوافق مع بعضها وفي تغيير خرائط التحالفات والولاءات حول كثيرا من روح الربيع العربي ضدها إلى حد توصيفها الآن بأنها جزء من النظام القديم الذي يجب إزالته. فلا فرق بينها وبين الأنظمة التي كانت حاكمة وجمدت أوضاع شعوبها في القهر والفقر.
الربيع العربي المغدور في جزء كبير من طموحه من هذه التيارات الثلاث ينتبه بمرارة إلى أن العدو ليس فقط النظام السياسي العربي الذي نادي بسقوطه بل إن بعض العائق الموجود هو هذه التيارات الفكرية والسياسية المتناحرة والعاجزة عن تقديم بدائل حقيقة للأنظمة. ونعتقد أن الخطوات القادمة ستكون تحت شعار الشعب يريد إسقاط الأحزاب. لقد نبّه الربيع العربي إلى ضرورة التغيير وحتميته ولم يكن يعني الأنظمة الشكلية القائمة فقط. بل هذه الخطابات المدججة بكمالها الفارغ كطبول كبيرة مدوية.