نقابة تونسية من القرن 19

Photo

عندما انطلقت الثورة التونسية في آخر 2010 قامت النقابات الجهوية والمحلية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل بلي ذراع قيادتاها المركزية المعادية للتحركات وفتحت مقراتها للنشطاء وتأطير جزء هام من الاحتجاجات وخاصة مظاهرات مدنية صفاقس يوم 12 يناير 2011حتى وصلت بها إلى العاصمة ونظمت أكثر فعاليات اعتصامي القصبة الأولى والثانية وكانت المفاوض الأول مع من تبقى من بعد بن علي من رجالات نظامه حتى أوصلت الباجي قائد السبسي رئيسا لحكومة مؤقتة أشرفت على تنظيم انتخابات 2011.

وفي التحاليل العربية المقارنة للثورات القطرية(مصر واليمن وليبيا وسوريا) ركز المحللون العرب خاصة على دور النقابة التونسية مستخلصين أن وجود النقابة كان علامة فارقة على تقدم مؤسسات المجتمع المدني في تونس كاشفين خلوّ المجتمعات العربية من مؤسسة مماثلة للاتحاد. ولم يكن هذا التحليل مصيبا تمام خاصة أنه يغفل التفاصيل الميدانية وأهمها التناقضات التي تشق النقابة والتي هي في عمقها تناقضات سياسية عميقة تعود إلى أن النقابي التونسي فاعل سياسي أولا نشأ متخفيا في النقابة في غياب كلي لمؤسسات سياسية حزبية حرة قبل الثورة.

ظل الإتحاد فاعلا رئيسيا في كل منعرجات المرحلة الانتقالية وخاصة إجبار حكومة الترويكا على النزول إلى مائدة حوار انتهت باستعادة السلطة لمكونات النظام القديم وقد جوزي على ذلك بجائزة نوبل وتلقى تهنئة الرئيس الفرنسي قبل الرئيس التونسي للدور الذي قام به في تحجيم مكانة الحزب الاسلامي (النهضة) وتقليص دوره في المشهد السياسي التونسي.

يقول النقابيون عن نقابتهم أنها بيت التونسيين المضطهدين وأنها حامي من لا حامي له من السلطة وهذا باطل يغطّى بمسحة من حق فالحقيقة أن النقابة حزب سياسي وهي إحدى علامات فقر الساحة السياسة التونسية وهشاشتها المؤسساتية وما القول بتقدم المجتمع المدني التونسي إلا ديماغوجيا/ايديولوجيا

الاتحاد ظاهره نقابة وباطنه حزب يساري متطرف

يوجد تراث ضاف حول تاريخ النقابة ودورها منذ النشأة سنة 1946 وقد كان لها دور فعّال في معركة التحرر الوطني هذا الدور تحول إلى غطاء ايديولوجي لما تقوم به النقابة منذ الثورة خاصة في خدمة أجندات حزبية لما صار يصطلح عليه باليسار النقابي في تونس. في غياب أية منافسة إسلامية لإدارة النقابة زمن بن علي تمكن اليسار من المسك بكل مفاصل النقابة مركزيا وجهويا لا ينافسهم في ذلك إلا بعض العروبيين التائبين عن فكرة الانقلابات العسكرية طريقا للحكم. وكل ما قامت به النقابة منذ انطلاق الثورة حتى الآن هو استعمال النقابة في معركة اليسار مع الاسلاميين بما في ذلك قطع الطريق على الثورة لتصعيد رئيس برلمان بن علي (الباجي قائد السبسي) رئيسا لحكومة ما بعد الثورة. فقد كان ظهور الغنوشي في الصورة مؤذنا بعودة التحالفات القديمة ضد الإسلاميين. والتي تعاني الثورة والبلد نتائجها حتى الآن.

لا يتعلق الأمر إذن بمجتمع مدني متطور كما يتوهم محللون شرقيون بل بمجتمع سياسي منحط يستعمل النقابات في السياسة ويوظف مؤسسات الدولة في الصراعات السياسية حتى يؤدي بها الى التوقف عن العمل.

هكذا يجب أن تقرا (نضالات) النقابة ضد حكومة الترويكا فقد أهملت النقابة حقوق القطاعات الهامشية والقطاع الخاص غير المؤطر نقابيا والذي يعرف أدنى الأجور وتنهار فيه الحقوق وركز على القطاع العمومي المؤطر نقابيا فدفع إلى أقصى أشكال الاحتجاج (بما في ذلك إغلاق المشافي في وجه المرضى ومنع الأطباء من دخولها).

لقد حولت القوى السياسية اليسارية المتغلغلة في مفاصل النقابة المعركة الاجتماعية المشروعة إلى معركة سياسية ضد خصمها اللّدود (الحزب الاسلامي) وهو في الحكم وخارجه. وقد حصلت على مكاسب مؤقتة كحرمان خصمها من الحكم ولكنها انتهت بالنقابة إلى عدو للتونسيين فلم يعد يستجاب لها إلا في تحركات قطاعية معزولة تزيد في عزلتها ولا تعيد لها صورة بيت التونسيين المضطهدين. لقد قتل اليسار النقابي النقابة والعمل النقابي ولكن الوعي بهذه النتيجة الكارثية على النقابة لا يزال بعيدا.

تحركات 30-11 لا تشذ عن سياق توظيف النقابة سياسيا.

قادت نقابتا التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي تحركا ميدانيا يوم 30 -11 ضد وزير التعليم للإطاحة به. النقابتان مملوكتان تقريبا للتيار العروبي بينما الوزير يساري من تيار الوطنيين الديمقراطيين وقد تخفى دوما في أحزاب أخرى للتمويه لكن الاحتجاج عليه كشف ارتباطه القديم اذ لم يجد له من ناصر إلا بقية النقابيين من تياره (الوطد). ومدار المعركة الظاهر اصلاح التعليم وباطنها الفوز بموقع داخل المكتب التنفيذي للاتحاد في مؤتمره القادم في يناير 2017. ولم يكن للتصعيد الميداني إلا ذلك الهدف. إذ لم نسمع للنقابتين صوتا فارقا في عملية إصلاح التعليم قبل هذا التاريخ وخاصة في معركة تحقير اللّغة العربية أمام اللّغة الفرنسية كلغة رئيسية في التعليم. بل إنه وللمفارقة العجيبة وضعت الترويكا (حكومة على لعريض) وزيرا عروبيا على رأس الوزارة وكانت النقابتان شرستان في تعطيل عمله واتهامه بأنه عميل (قوّاد) لحزب النهضة. ولم يشفع له عندهم الرفقة السياسية ولا دوره الفعال في تطهير الوزارة من الطاقم التجمعي المزروع في مفاصلها. وعندما كان الوزير الحالي يعيد التجمعيين للوزارة كانت النقابتان صامتتين.

انتهت المعركة ليلة الرابع من ديسمبر بهزيمة النقابتين وتمييع التحركات بما يسمح للوزير بالحركة المريحة في كواليس إدارته لتصفية بقية جيوب معارضته وانتهت خاصة بفوز تياره في الهيئة الإدارية للاتحاد وهي سلطة القرار الرئيسية. وسيكون لمقرراتها أكبر الأثر على المؤتمر القادم الذي خسر فيه العروبيين موقعهم المرتجى. بتمرير الجنرال إلى المكتب التنفيذي (الجنرال هو التسمية المحببة لرئيس نقابة التعليم الثانوي).

وفي لعبة التحالفات دفع حزب النهضة أنصاره في التعليم إلى نفخ التحرّك الميداني بما أوحى أنهم ضد الوزير لكن نوابه في البرلمان ناصروا الوزير بما أنقذه من السقوط وحققّوا بذلك هدفا عزيزا على أنفسهم. وهو قطع الأمل في تغيير المؤسسات بالشارع والإبقاء على العمل تغييري بواسطة المؤسسات (البرلمان) حيث يملكون الآن (وفي المستقبل) ثقلا يسمح بالمناورة والكسب المحسوب بدقة دون هياج الشارع.

وقطعوا على الآملين من استعمال النقابة في المستقبل كل أمل في توظيف النقابة ضدهم في مرحلة يقدرون أنهم سيكونون فيها حزبا أولا وحاكما. لقد حاربوا النقابة بوسيلتها التصعيدية رغم أن الوزير اليساري يفرض عليهم وعلى كل نصير للعربية برنامجا فرانكفونيا مماثلا لبرنامج الوزير محمد الشرفي(وزير بن علي) المسمى ببرنامج تجفيف المنابع.

الجميع مورط في تسييس النقابة

الأيام والأشهر القادمة ستشهد معركة كبيرة بين التيار العروبي والإسلاميين وقد لا نسمع مثله بين النهضة واليسار حتى انقضاء مؤتمر النقابة وانجلاء نتائجه بمعرفة موقع جميع التيارات فيه. لكن النتيجة ظاهرة. الجميع مورط في معركة تسيس النقابة والجميع استعمل نفس الوسائل. أي التصعيد الميداني من أجل حيازة مواقع تنفيذية تكون مرتكزا لعمل سياسي غير نقابي في المستقبل(توظيف النقابة سياسيا). هو مؤتمر نقابي يستنسخ آخر ولا أحد يجد شجاعة القرار ليقول يكفي من توظيف النقابة حزبيا. بما يكشف أن الساحة السياسية التونسية لا تطور وسائلها ولا تبتكر أفق عمل يفرز السياسي من النقابي رغم أن الاعتذار بالتضييق السياسي قد سقط مع الثورة.

وعليه وعلى ضوء نتائج تحركات رجال التعليم الأخيرة وعلى ضوء نتائج المؤتمر القادم التي باتت معروفة نقول أنه وبخلاف ما يعتقد عرب كثر من خارج تونس بتطور المجتمع المدني التونسي أن الساحة السياسية التونسية ساحة جامدة ومتخلفة وغير قابلة للتطوير بواسطة النخبة الموجودة الآن والتي تربت على السير في طرق متشابهة تستنسخ بعضها وتعجز دون الابتكار والتجديد.

لقد تطور العمل النقابي في العالم من الاحتجاج إلى المشاركة في الإدارة وتجربة البلدان الاسكندنافية تجربة علمت الكثيرين وأعطت نتائج باهرة في مجال حفظ حقوق العمال وتطوير المؤسسات في نفس الوقت. بينما تصر نقابة تونس على الاحتجاج المعادي للدولة كما لو أنها نقابة تسير بتعاليم ماركسية من القرن التاسع عشر. وإلى حد اللّحظة عندما تسمع نقابيا يخطب تظن نفسك أمام أحد زعماء السبارتكيين الألمان في بداية القرن العشرين. يعيش في ثورة شعبية حمراء ضد برجوازية افتراضية. ولا يستثنى من هذا أحد من السياسيين الذين يلبسون قناعا نقابيا.

يجد البعض عذرا للنقابة لأن على الجانب الآخر لا يوجد رأس مال وطني مشغول بالوطن بل لصوص متهربون من الضرائب ويخربون البنوك بقروض دون ضمانات لكن النقابة هنا أيضا غير معذورة فهي لا تحتج على هؤلاء بل تخنق القطاع العمومي فقط بما يجعل البعض يشببها بالرجل الجبان الذي يقهر في الشارع فيضرب زوجته. لذلك أقول لمحلل عربي في برجه الصحفي قبل أن تحسدنا على نقابتنا المدنية انتبه للتفاصيل اليومية ستجد أننا الزوجة المضروبة بعصا النقابة قبل عصا النظام. لقد فاز الوزير الفرانكفوني ببرنامج فرنسة التعليم. وأخذت فرنسا ثمن جائزة نوبل في المدرسة التونسية.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات