
اتذكره كل 17 افريل ….واخجل من نفسي
وتبين لي في مرحلة من المراحل رغم إني لم أقرأ ابن تيمية، أن الرشوة تنقض الوضوء لكني قبل ذلك محدثك عن زمن التفاح الأحمر الجميل ، فقد «شممت صناني» في زمن التفتح وهو زمن عظيم اعتقدت فيه أن العالم يحتاج إلى إصلاح، وانه يستحق أن نعتني به قليلا ونتخلى عن بعض أنانيتنا ليصبح العالم بخير، أدركت سيد الأسياد وقد قعد به الدهر لم يغادر موقعه من أناشيد الصباح وظل يهلّ علينا كل صباح غير إني لم أعد استيقظ باكرا مثل أبناء الرعاة. لقد انتقل أبي إلى التجارة وصار بالامكان أن أنام إلى ما بعد الشروق، فكان يفوتني أن اسمع مدائح سيد الأسياد وبعض أغاني فيروز التي قيل إنها لا تسمع في العشية مثلما لا تشرب قهوة بالحليب إلا في الصباح… لم يعد يغادر كرسيه وصلتنا إشاعات فقد كانا خارج جغرافيا الموجات الهرتزية القوية رغم أننا بدأنا نتصيد إذاعة لندن … بأنه يعيش مزودا بآلات كهر بائية وأنه مات وعاد إلى الحياة وأنه بأرواح سبعة، وكنا نستعد لجنازته لنفرح لا تسألني لماذا ؟ كان ذلك زمن التفاح الأحمر فقد أدركنا زمن التفاح الأحمر ونحن نفور من الداخل وقد بدأنا نكتب أسماء البنات على الجدران، ونفهم ما الذي ينط تحت ميادعهن المدرسية إذا جرين معنا في حصص الرياضة … كنا نعرف للتفاح شكلا واحدا، شكلا أجرب يميل إلى الصفرة وكنا نأكله أخضر قبل أن يصفر فإذا أصفر صار طريا كالتراب فنتركه للعجائز اللاتي بلا أسنان. ثم قمنا ذات صباح فوجدنا في السوق تفاحا أحمر يميل إلى السواد قيل لنا التفاح التركي مذ متى وجد تفاح بهذا اللون؟ ثم رأينا الموز خارج الكتب المدرسية كنا نعرف أن الموز أصفر لكننا لم نره فجاء إلى حدود القرية في رمضان،وكان مدعوما، فنلنا منه. البعض استعجل فافطر قبل الأذان ثم انتظرناه في رمضان الذي جاء بعد رمضان الذي ذهب، وصارت سنة انتظار الموز كجزء من رمضان إلى ما بعد التفتح إلى حدود العولمة وظهور جنرالات الموز والسكر في الجزائر فقط ،حيث يمكننا أن نسميهم هناك أما عندنا فالأمور أرطب من الموز حتى يجلسوا جلسة سيد الأسياد فنتكلم وتلك سنة عملنا أن تنتهي في عصر التفاح الأحمر لكننا فشلنا بسبب الموز المستقيم الذي يحمل ألوانا كثيرة ليس منها الأصفر..
كنا في عصر التفاح الأحمر مقبلين على الحياة نتفتح كالورد. هناك اعتقدنا أنا قادرون على ترميم دم الشهداء الذين مازالوا ينتظرون واعتقدنا أن دروس التربية الوطنية صالحة فعلا وقد كانت شعوب الأرض تسقط ملوكها بضربات الشارع الجبار… كان سيد الأسياد جاثما في الإذاعة والتلفزة الجديدة ذات اللون الرمادي وكان يستحم في الصيف في الدقيقة الأولى من نشرة الأخبار حتى الدقيقة العاشرة بعد أن يقرأ خطابا يوجهنا فيه إلى حديث البردعة و حب الوطن…ونسمع نشرة الأخبار تبدأ بلهجة متوعدة «السلام عليكم جميعا».
لم يكن لنا من العلم إلا أننا نريد وطنا جديدا فيه جريدة صاخبة وفيه موز في كل فصول السنة وفيه فتيات جميلات يحملن التفاح الأحمر في أيديهن … كنا نريد الثورة على كل الموجودات فعصينا والدينا وكفرنا بالله أحيانا وكسرنا مصابيح الكهرباء في الطريق ورمينا أوراقا على الأساتذة عندما كانوا يلتفتون إلى السبورة واضربنا عن الأكلة في المطعم المدرسي وسرنا في الشوارع صاخبين، وقلنا نريد…وفعلنا أشياء صغيرة لا تقال هنا لأن ابني قد بدأ يتهجى الحروف وسيسألني عن عميرة المسكين ولماذا أجلده.سيكبر الولد وسيضرب. فالأمور لم تتغير إلا قليلا وذلك بسبب عصر التفاح الأحمر الذي لم يذهب أبعد من بيع الوعود التلفزية بالتفتح. لقد كان يطعمنا الخديعة رطبة كالموز حمراء كالتفاح التركي الذي لم نره إلا قليلا ثم« ارفع يديك عن الطبق» وقد صدقنا وها هي الخيبة بين يديك فاصبر إني كاشف لك نيتي بعد هذا الخداع الكثير ولن آكل التفاح الأحمر فقد صار عندي رمزا للخديعة والتفتح الأصفر …
في أثناء ذلك دخلت الجامعة وجلست إلى سعاد المزهرة تعلمني ابن خلدون وهي ليست سعاد التي بانت في القصيدة وإنما ألطف وأرَقُّ فقد كانت تقول إذا أعجزتها اللغة « يكب سعده ابن خلدون ما أصعب أل Langage متاعو» وجلست إلى شيوخ الايدولوجيا يعلمونني «إن الطريق مظلمة إلا إذا سقط الله في حفرة النسيان» وجلست إلى آخرين يحبون الزميلات ذوات السروايل القصيرة فقط ويكرهون الطلبة الذين يلبسون سراويل الجينز ولا يحلقون لحاهم كل يوم ويجلسون في آخر المدرج يدخنون وقد يخرجون في منتصف الحصة ويصفقون الباب بقوة …
من هؤلاء الأساتذة الإجلاء عرفت أن الرشوة تنقض الوضوء …
مثل ذاك الذي لا أجد له في اللغة اسما لأنه (…) لن أسميه فقد يكتب لهذا النص الخلود( وهذا آخر أوهامي أؤكدها أثناء مراجعة أخطاء الطباعة) لن اسميه لكي لا يتسخ النص… وسجلها إن شئت في الحذلقة اللغوية إنها حقيقة من لم تر ولم تعرف ولن تحتمل إذا عرفت لذلك أعفيك من ذكره واصف لك بعض فعله حتى ترى من يحكم الخريطة بعد دروس المعلمين الأوائل الذين أتى الدهر على جهدهم إذ انتهيت بعدهم إلى هذا الحضيض…لكن دعني أو اسمح لي أن أذرَّ رمادا كثيرا لإتلاف علامات المرور التي وجدت في الصيغة الأولى لعل أن تتوه الشرطة وننجو من المجلة الجزائية. ففي هذه المرحلة احترقت رؤوس كثيرة ولا تزال آثارها على جسدي،وإنها لكبيرة من الكبائر وليغفر الله لي فقد أكرهت .
كان الفتى وهو غير فتى الأيام الخوالي بل كائنا مستأنسا، ينفش ريشه منذ الصباح ويرى الكائنات دجاجا مختلفا ألوانه. نهض باكرا متوترا وغسل أسنانه مرتين. تبينت له القهوة لينة لا تنعش الروح لم تكن مرة بما يكفي. خيل إليه وصدق أن الشمس بطيئة جدا وكسولة قال لابنه «توقف عن الحركة ولا تقفز بين الغرف إنك تشدُّ أعصابي» فلما جلس الطفل يقضم أظافره قال له «ابتعد عني»، فلما ابتعد قال له صائحا «أين اختفيت؟اجلس بحيث أراك» فلما جلس قال له «لا تجلس ولا تقف ولا تمش ولا تجر ولا تتكلم ولا تسكت» بكي الطفل كالطفل. ضمه إلى صدره «العشية عندما أعود بحرف الدال من الكلية سأشتري لك لعبا وحلوى كثيرة وسأحملك إلى البحر ونصطاد السمك »
استكان الطفل. لكن رأس أبيه كانت بحيث لا يمكن رؤيتها فوق كتفيه. إذا بدأت زوجه تجتنب الحديث يعرف أنه قد أفرط فيما لا ينبغي. لكنه كان ينتظر من دهر أن يعود بحرف الدال العظيم. كان الرهان على حرف الدال والنقطة التي تليه أما الاسم فلن يتغير.لو كان في الشرق لحمله بأقل من هذا العذاب الذي يتكبده مذ جاء من الأرياف عازما على حرف الدال وما جاوره. منذ حضر النقاش الأول تحت وجه القرمادي المحايد قال سأناله ولو بعد الأربعين. يسعى الجميع في بلده إلى حرف الدال لكنه يخفى كالعاهة،خاصة إذا كان محليا. هربا من عقدة الخواجة . لقد سعى مع الساعين ولم يهتم للسعاة قال إنهم يتحاسدون فيمارسون الإخصاء سيحمل داله وسينفش مع النافشين، وها قد أزف اليوم سأناله بتمامه وكماله وسأزيد عليه إجماع اللجنة حول لقب التشريف. عليه فقط أن يصل إلى العشية أو على العشية أن تصل إليه فقد نبتت لروحه أجنحة .
وقعت ذبابة ربيعية في قهوته الثالثة فتطير وتشاغل بإعداد أخرى متذكرا أيام الكد وليالي السهد و والأفكار المتعسرة والكتب التي تصيب بالإمساك وجهد الأستاذ المشرف الذي لا يضيف خيرا ولا شرا ويخاصم في رسم الهمزة في المصدر المزيد ويحرص على سلامة مخارج الحروف عبر جهاز الهاتف إذا تفضل بالرد في الأعياد.
ابعد كل شيء حفاظا على صفاء ذهنه لساعة الحقيقة التي يفوز بعدها بحرف الدال العظيم .أعاد التيقن من كي القميص وربطة العنق وتلميع الحذاء ربما حط عليه غبار بعد تلميعه البارحة. نقل كتبا من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر من مكتبته ثم أعادها إلى موضعها ثم وضع أصغرها فوق أكبرها ثم رتبها في وضع عمودي خرج دخل ألف مرة ومرتين. يحتاج إلى حنجرته في العشية لذلك لن يدخن. لم يدخن حتى العاشرة. صبر طويلا ثم بسمل و لم يبالغ في السيجارة الأولى والثانية لكنه احترم الثالثة فأعطاها حقها .
عشية السبت، الكلية خالية من الطلبة والريح الشمالية تهب قوية وتعبث بالتفاصيل الصغيرة وتخفي زرقة السماء وراء غلالة شهباء تذكر بالقرية الجنوبية المغبرة. أغلق الباب على القرية أن تعود في تلك العشية. يحتاج إلى النظر إلى الأمام ليرى حرف الدال القادم. أطل من نافذة صدئة الحواف على الملاسين رأى الفقر والمزبلة وشم رائحة السبخة المنتنة. تذكر شقة السكة ودار الحاجة في حي الروضة وحانوت السمران وحوش حي الطيران كان يختار أن يسكن قريبا من الكلية ليقتصد أجرة النقل في العطل وليكون قريبا من المطاعم الجامعية. أغلق باب الذكريات يحتاج إلى التركيز أكثر على حرف الدال القادم.
عاد يشم رائحة الحي الصاعدة إلى السماء لا أحد في السماء يشم رائحة نتونة الأحياء الشعبية يوم اختار أن يقرأ علم الاجتماع كان يعتقد أنه العلم الذي يصلح العالم ويداوي جراحه، بعد السنة الأولى اكتفى بفهم بعض ما يجري وقال ليس على الأعمى حرج ولا على المريض. انهالت الذكريات مرة أخرى رأى حلقات النقاش المرعبة وسمع المصطلحات المدفعية لو رددها لمات فيها دون أن يتعلم حرفا تذكر الشرطة الراصدة في مختلف المداخل لم يحتك بهم لكنهم أذاقوه مطعم «الوردية» وغرف «القرجاني» القذرة وسيلون «بوشوشة» ماذا لو احتك بهم لقد نجا بالصدفة من «رجيم معتوق».انشغل بالجمال في قسم هوليود وبعض طالبات الآداب العربية كان يرى من بعيد ويحسب ما في جيبه فيتحسر عنده فقط ثمن الأكلة الجامعية وبعض القهوة والتبغ القوافل فكيف يدعو فتاة إلى السينما . كان ينتهي باستعادة حزمة أخلاق القرية لتظل رأسه في مكانها تفكك ماكس فيبر والآخرين .
اليوم أحمل معي حرف الدال بإجماع اللجنة وكل ما فات كان لعبة وصار ذكريات .
هو ….
كان يناور أمام قاعة القرمادي…بلباسه الذي لا يغيره أبدا حتى يحيل لونه…
- قال له: لا بد مما ليس منه بد وعليك ما على الآخرين .
- قال له: مستحيل أن أقبل بالأمر فأنا مجتهد.
- قال: ولو عليك بالواجب قبل الواجبات
- قال: لا
- قال: لا بد
- واعرض أحدهما عن الآخر برهة سلَّما فيها على قادمين للفرجة والاعتبار
- قال: أنا ماعنديش
- قال:أنا ما نحضرش
- قال: أنا ما نعطيش
- قال: أنا نمرض ونروح ونؤجل الجلسة عام آخر ويفوتك «الكنكور»
- قال المترشح: انت وضميرك.
- قال الأستاذ: أنا ضميري ما نجيبوش للخدمة عشية السبت.
- قال الفتى مماطلا: بعد المناقشة نعطيك ما تحب.
- قال: و بعد المناقشة تهرب وتنسى.
حمل محفظته وذهب .
- قال الأعضاء: أين هو ؟
- قال المترشح: ذهب.ولو مسه أحدهم من حنجرته لبكى.
- قالوا مستسهلين : نؤجل حتى يعود.
- وتساءل الفتى المترشح: وإذا لم يعد .
- قالوا: نؤجل للخريف القادم .
ورأى الفتى حرف الدال يغوص في وحل سبخة السيجومي.
ظل منزويا كمن يبيع الخمر خلسة ويعرف مواعيد مرور الشرطة، لما وصلت إليه تظاهر بحديث جانبي عن الأوساخ في ممرات الكلية. أخذني من يدي إلى قاعة الأساتذة كمن يجر أنثى إلى زاوية طاوعته كالأنثى. بعد مفاوضات عسيرة حول صحن حلوى يأخذه عادة للأولاد. أخد ما أراد فتح جيب سترته وقال «ارم» فرميت قلت «لم لا تمسك بيدك» فقال «حتى أكون صادقا في قسمي أني لم أمدّ إليك يدي ثم أن الأمر ينقض الوضوء قبل صلاة العصر»
سلم له الفتى بالأمر وآثر اختصار الطريق مر ثلاثة عشر شهرا منذ أودع البحث للمناقشة وإذا تهاون في الواجب كما تهاون طيلة سنة الانتظار لانتظر سنة أخرى ولا بد أن يدفع. سُنَّةُ المكان والجبان وتقنيات اللجان. كان بقية الأعضاء يعرفون التقاليد ويسكتون عليها فهم غير متوضئين وفيهم علمانيون إلى حدِّ النخاع.
تلقى الفتي التهنئة قبل المناقشة. ضحك ضحكة صفراء كانت المسخرة واضحة. لو كان الأمر له وحده لازال صورة صالح القرمادي من مكانها وبال في القاعة كي لا يلوث حرف الدال . لقد عاد بحرف الدال منقوعا في سبخة السيجومي العفنة. لم يفرح كثيرا لم يهتف إلى أمه ليقول لها أنه وصل أخيرا إلى آخر مراحل الدراسة التي كانت تزعجها باستمرار. تلقى تهاني زوجه ببرود لن يعلمها بالمذلة التي تعرض لها سينكسر عرف الديك في البيت.دعها حتى تقرأ أخبار الرهينة المستكين.
في اللحظات التي عاد فيها إلى البيت ليدخن كل تبغه المدخر، مر على الأخبار التي تجاهلها منذ الصباح ليعدل مقدار توتره………….كانت فلسطين تودع الرنتيسي .
ليس ما عشت مأساة تذكر ،ولكن للذل أب واحد إنما تختلف الأسلحة . فالبلاء موكّل بالقهوة.