عوائق الحرب على الفساد في تونس

Photo

أفاق التونسيون صباح الجمعة(30-06) على أخبار مفرحة. لقد تمت مصادرة أملاك سبعة من الأشخاص ضالعين في الفساد. قبل ذلك بيومين تم تجميد أموال أحد الأشخاص الطارئين على المشهد الاقتصادي والسياسي والرياضي في تونس. بنفس الاتهامات وطبق القانون الطوارئ الذي استعيد لمقاومة الإرهاب وأشياء أخرى ها نحن نشهد بعضها. هذه الأخبار المفرحة بدأت في الظاهر تزيد في الأرصدة الأدبية لحكومة السيد يوسف الشاهد. والبعض صار يروج له بصفته الأسد الذي سيطرد الضباع من الغابة. لكن الإفراط في التفاؤل قد يخفي عن المحلل عناصر مهمة. هو أن الفساد ماكينة قوية أحكمت بناء وسائلها وبنت متاريسها في الإدارة العميقة بحيث لا يمكن القول أن المساس ببعض الفاسدين الفرادى العاملين لحسابهم الخاص وهي ميزة عامة لمن تمت مصادرة أموالهم ليس إلا خطوة قصيرة في طريق طويل لا يمكن في الحقيقة لحكومة مهما كانت قوية أن تحاربه وحدها ووجب التضامن معها وتحريضها سياسيا على المزيد.

في انتظار المرور إلى سرعة أقوى في هذه الحرب نعيد النظر في ما نراه عوائق حقيقية وقفت أمام الحكومات المتعاقبة منذ الثورة ونعتقد أن حكومة الشاهد ستعجز دونها دون حزام سياسي ونقابي فعال. فالفساد ينخر النقابات والأحزاب وليس من مصلحتها مقاومته.

الفساد السياسي والمالي أخوان.

نبدأ من حيث يجب. الفساد السياسي يستفيد من الفساد المالي ثم تنشأ دوامة من تبادل الخدمات بين المال الفاسد والسياسة. ودون مجاملة نعتبر أن وصول الشاهد للحكومة هو أحدى ثمرات هذه الخدمات المتبادلة (وهذا سبب لعدم التفاؤل بحكومة الشاهد) لكن بصفة أعم رأينا في الانتخابات التشريعية والرئاسية أن المال الفاسد كان له مرشحوه. وقد أنفق الكثير على إفساد المشهد الديمقراطي.(لقد كان أحد المتقدمين للانتخابات الرئاسية أحد الذين صودرت أموالهم وتبين أنه ضابط برتبة عالية تقاعد من الجمارك ليكون ثروة رهيبة بما قبضه من رشى). لكن المشكل أوسع من شخص. لقد تم شراء الأصوات في مواضع كثيرة بمال فاسد خاصة في مناطق فقيرة ومحتاجة مثل منطقة الشمال الغربي. كما رأينا حملات دعاية انتخابية قدرت بمليارات الدينارات لشخصيات لم تكن تجد معين كراء مقراتها الحزبية.

ومن المتوقع بل مما نعاين هذه الأيام أن هذه الشخصيات والأحزاب تظهر عدم رضاها عن حكومة الشاهد في معركته ضد الفساد. خشية أن يطولها ما يطول الفاسدين. وهو نفس ما نستشعر من مواقف النقابة الأشهر والتي يعرف القاضي والداني ولوغ قيادتها في المقاولات السياسية مقابل تجميد أو تحريك النقابات العائدة لها بالنظر.

السياسي الفاسد هو الغطاء الفعال للمال الفاسد كلما أخذ منه وقع أسيرا له وصرف أمور الدولة لصالحه فيغطيه ويمنع القانون من أن يأخذ مجراه وهذا كلام عام لكنه ملحوظ في تونس بشكل خاص. ويمكن أن نعدد عليه الأمثلة لو سمح المقام.

الإعلام وسيلة من وسائل الفساد.

الفساد المالي يملك وسائله الإعلامية ويوظفها لتحريف المعركة ضد الفساد. لقد تبين أن القنوات الخاصة. وغير بعيد منها الإعلام العمومي تعمل بإمرة المال الفاسد والسياسيين المتمولين منه. تقوم هذه الأدوات بواسطة صحافيين بلا مصداقية بالتركيز على جهات دون غيرها بما يجعل الأنظار تتجه وجهة خاطئة. مثال ذلك أنه في الوقت الذي يصادر فيها الشاهد أموال الفاسدين يتحدث الإعلام فقط عن فساد قيادات حزب النهضة التي تنصرف للدفاع عن نفسها ويغيب كل خبر عن مصير المعركة والصفقات المحتملة التي تعقد الآن في الكواليس لإنقاذ جماعات بعينها.

الإعلام الفاسد خبير في المعارك الفاسدة من أجل المال الفاسد وبه إذ يفترض نظريا أن يقوم إعلاميون كبار بتوجيه الرأي العام إلى معركة الفساد الذي دمر قطاع الإعلام نفسه لكن هؤلاء الإعلاميين لا وجود لهم أو أن أصواتهم ممنوعة وهو الأقرب إلى الصحة في مقابل انفلات إعلامي ممول يختلق المعارك الخاطئة ليصرف الناس عن معركتهم الحقيقية.

تحالف المال والإعلام والكثير من السياسيين يجعل المعركة ضد الفساد بطيئة ومشبوهة وغير حاسمة ومهما كانت قدرة الحكومة عليها فإنها تقع في الانتقائية بحثا عن الضحية الأضعف وهذا عائق آخر .

الانتقائية تفقد الحكومة مصداقيتها.

الجمهور العريض يعرف الفاسدين ويراهم رأي العين ولكن تصله أخبار فاسدين أخرين لهم ثروات كبيرة (بالمقياس التونسي)لكن يتبين أنها لفاسدين فرادى كما أسلفت أعلاه. الغنم القاصية أمام ذئب الحكومة بينما يستتر الفاسدون الكبار خلف مقولات إنقاذ الاقتصاد الوطني فكأن المساس بهم سيجعل البلد ينهار متناسين أنه ما من بلد يمكنه النهوض بمثل هؤلاء الفاسدين الذين جروا البنوك إلى الإفلاس(قروض بلا ضمانات) وتمتعوا بكل الامتيازات الاستثمارية دون أن يفيدوا البلد بشيء خاصة في حل معضلة التشغيل في المناطق المفقرة وهي المعضلة التي بدأت حتى الآن غير قابلة للحل.

هذه الانتقائية تكشف خوف الحكومة وتجعل المراقب يتوجس من اختلاق فساد للتغطية عن فساد قائم وهو ما يفقد عملها كل مصداقية. وفي أجواء الحرية المتاحة يمكن للفاسدين الصغار الدفاع عن أنفسهم ولو أمام قانون الإرهاب (والمحاكم العسكرية) فإذا أثبت أحدهم خطأ على الحكومة فإن كل عملها ينهار وتفقد ثقة الجمهور ويتجرأ عليها بقية الفاسدين وهو ما نعتقد جاريا الآن رغم الضربات الجراحية المعلنة. إن إساءة استخدام السلطة في معركة مماثلة من شأنه أن يفقد السلطة قدرتها على الاستمرار بل هي تقع في مأزق حقيقي أمام قوة لا ضمير لها. ولبعضها ولاءات خارجية تجعل الحكومة ترتجف أمام السند الأجنبي للفاسدين.

السند الأجنبي للفساد.

رغم أننا قرأنا عن التوجيه القوي الذي تلقاه رئيس الحكومة ذات رحلة إلى أوروبا طلبا للقروض بأن ينظف أمام بيته إلا أن موقف المال الأجنبي المسنود سياسيا في بلاده يضغط بقوة فالمساس بشركة اورنج مثلا يعني المساس بمصالح فرنسا في تونس وكذلك معالجة الفساد في قطاع توريد السيارات فالشركات الفرنسية في تونس لها نفوذ مستمد من قوة دولتها الأم ولا قدرة لحكومة تونس على مواجهة هيمنتها المنتجة بدورها لفساد كثير خاصة في قطاع التوريد الصناعي. وقد كشفت تحركات الجنوب الأخيرة المتعلقة بالطاقة أن غيرة الشركات الغربية عامة والفرنسية خاصة وصلت إلى حد تدخل مباشر في الحل وفرض حل ترقيعي في جوهره(تشغيل هش وموقت) من أجل أن يستمر ضخ المواد الطاقية دون شوشرة سياسية اجتماعية.

هناك معركة أخرى تواجه كل من حارب بالفساد هي معركة الاستقلال الاقتصادي وهذه معركة كسر عظم اذا دخلتها الحكومة فلا مناص لها من التقدم فيها (وهي لا تفعل بعد) وإذا خسرتها (وهو المرجح) فإنها ستنهار بها إلى حضيض السياسة .

التضامنيات القطاعية سد أمام مقاومة الفساد.

في قضايا فساد في قطاع الطب اكتشف الناس قوة نقابة الأطباء وفي مجال إخضاع القطاعات الحرة للضريبة على الدخل اكتشف الناس قوة نقابات المحامين والأطباء والصيادلة. وفي معارك إصلاح التعليم اكتشف الناس قوة نقابة التعليم. لقد ترسخت قناعة كبيرة عند الكثيرين بأن القطاعات المهنية تحمي نفسها بقطع النظر عن المصلحة الوطنية ولدى هذه القطاعات تبريرات قوية لما تفعل بقطع النظر عن الضرر العام (بما في ذلك تركيب لوالب طبية فاسدة في صدور مرضى) أو الامتناع الجماعي عن الخضوع لقانون المالية الذي يحدد قواعد الضريبة على الدخل. ويمكن أن نوسع الصورة أكثر ولكن للنقابات صوت يمنع الذهاب بعيدا في معركة الفساد والغريب أن هذه النقابات هي الأعلى صوتها في تحريض الحكومة على ذلك وما الأمر إلا تمويه لإخفاء جرائم منظمة بالقانون تملك هذه النقابات حق تأويله على هواها. تونس تعيش حالة من تغول النقابات و الإدارة العميقة تعرف كيف تحمي فسادها بواسطة النقابات. وليس أمام الحكومة إلا أن تمجد الانتظام المدني للفاعلين فالنقابات جلبت لتونس جائزة نوبل التي ليس أيها قيمة اقتصادية أو سياسية. الحكومة في وضع شكر جلادها على عدم قتلها بعد.

خيال الحكومة الفقير

بقطع النظر عن النوايا فنحن نقرأ النتائج والنتائج حتى الآن لا تبشر بخير فالحكومة أسيرة حساباتها الحزبية والنقابية وعلاقتها الخارجية. والمرور إلى السرعة القصوى ليس متاحا إلا إذا وسعت خيالها المقاوم بخلق بدائل قانونية وإجرائية سريعة ليس منها حتى الآن هيئة مقاومة الفساد الدستورية فالهيئة رهينة بيد رئيسها الذي يقاول بها مع الفساد ويملأ المواقع بالتصريحات العنترية دون مد يده بملف واحد لقاض.

ونعتبر أن تفكيك سلطة القرار المركزي في مقاومة الفساد طريق نحو فتح بوابة واسعة للشعب للمشاركة في المعركة فالناس (الشعب الكريم) يعرفون الفاسدين أكثر من الحكومة ويحددون ثرواتهم عيانا ويعرفون مكان أقامتهم وألاعيبهم الخفية والمكشوفة. لقد تم وضع قانون حماية المبلغين عن الفساد وهذه خطة مهمة لكن المبلّغين لا يطمئنون إلى قوة الحكومة لحمايتهم فعلا. على غرا هذا القانون يمكن توسيع نطاق تدخل الجمهور في الإشارة إلى مواقع الفساد أمام محاكم قريبة وهذا من شأنه أن يربك الفساد حيث هو ولا يجد منفذا من عين الرقيب القريب. قد يكون التشبيه غير بليغ ولكن إرسال كل كلاب الصيد وراء طريدة واحدة يعدم أملها في النجاة. إذا كانت الحكومة جادة إذن فلتطلق يد الشعب وراء الفاسدين سيكون النصر قريبا من متناول الأيدي.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات