
سؤال من قبيل الترف التقني المتهرب من مواجهة الصورة الحقيقة للجريمة. يهرب العقل الباطن من مواجهة الصورة فيخترع أسئلة يعرف أنها سخيفة لكنها تحيِّد العقل ليستمر القلب في التنفس. هكذا كان لقد سربوا الحقيقة بعد أن ظنوا كل الظن أن لا حساب. قتلوه ثم هربوا من جثته المتكلّمة بالجريمة فصبوا عليه قالبا اسمنتيا وأقاموا على القالب جسرا ونحن نمر فوقه أو تحته كل يوم ولا نسأل عن احتمال دم قد يتسرب من بين شقوق الحجر ليقول للضمائر الحية لماذا ؟
عن كمال المطماطي أتحدث.
معتقل اسلامي من زمن المحنة. لم يصل إلى حقه أن يكون سجينا بل قتل قبل ذلك تحت التعذيب. وحده يعرف ماذا فعلوا به جلادوه يتذكرون أيضا ماذا فعلوا لكن جلادوه خرسوا أو أخرسوا وقبض ثمن السكوت ترقيات في السلم الوظيفي. أقل من خمسين ساعة من الاعتقال ثم اختفى من سنة 1991 إلى سنة 2009 ليعرف أهل بيته أنه مات وحتى اللحظة لا يعرفون مكان دفنه وأخيرا تسرب الخبر إنه مدفون في قالب خرسانة ونحن نتمتع بالسؤال التقني هل دفنوه واقفا ليستقيم عامود الجسر أم قطعوه قطعا مربعة لكي تستقيم قطعه مع القالب السفلي للخرسانة؟
عشرون عاما وأمه وزوجه يسألون عن مصير الجثة فقدوا الأمل في رؤيته حيا وسماع صوته وطَّنوا النّفس على موته لكنهم طمعوا فقط في شهادة وفاة قانونية تسهل ما تبقى لهم من أيام. وإلى قبر يزورنه في الأعياد للترحم كان قلب الجلاد أقسى من التكرم بقبر. يمكننا مواصلة ترف الاسئلة هل نعرف الجسر وهل نستخرج القالب ليتمتع الميت المسلم بقبر يزار للترحم في الأعياد .وليقول أهل بيته صار لنا قبر في مقابر المسلمين بعد أن حرمنا من السير في طرقات المسلمين كما يسيرون.
بلغ فحش السلطة في الأرواح أن تمنّ على الميت بقبر وأن تتمتع برؤية الجسور المعابر فوق الجثث لعل دافنه الأن يضحك فوق الجسر ممن يريد إحياء الموتى ليقول فقط عندي قبر يزار وعليه شاهدة شهيد. لا حقَّ للقتيل في الشهادة. الشهادة تدين القاتل إذن ليكن بلا قبر حتى لا يتألم ضمير القاتل برخام الشاهدة. ماذا بقي للأحياء غير الشاهدة الرخامية؟ القاتل يعتقد أن لا حق لقتيله في قطعة الرخام.
الملح على الجروح
أوشك التاريخ أن يسدل الستار على الاسمنت والاسمنت أسدل روحه الخرسانية على التاريخ لكن العدالة تمنح بعض اليقظة وها نحن بصدد الحديث عن كمال المطماطي لذي لم يحظ من تونس الخضراء بقبر تزرع أمه فوقه زهرة الشاب الظريف التي تزهر في العشية حين تسيل الدموع. هيئة الحقيقة والكرامة خاضت معركتها حتى النهاية. وفرشت للحقيقة طريقا لتخرج على الناس ويسألون غير السؤال الترفي النخبوي كيف دفن بل السؤال الأحق بالطرح لماذا قتل؟
لم يكن كمال مسلحا ولا ارهابيا لم يكن مهرّب حشيش ولا سلاح وما كان للدولة أن تتأذى منه لو سمحت له بالكلام. كان كل سلاحه كلام وكان يريد أن يحدث الناس بما يراه ولم يحز أبدا قدرة على إجبارهم أن يروا بعينيه أو يجبرهم على أن ما يراه الحقيقة أم بعضها. كان فقط معارضا للسلطة القائمة ويرى غير رأيها في تونس. وكان جزءا من تيار سياسي قدم طلب الترخيص للعمل القانوني منذ 10 سنوات. كان معارضا مسالما ولم يفلح قاتله في العثور على ما اتهمه به من سلاح. لذلك وقبل أن يصل الى محكمة يثبت أمامها خلو يديه من السلاح قتل.
والهيئة الآن تفرض السؤال لماذا قتل والأكيد أن قاتله يسأل هل يطرحون السؤال عمن قتله. هنا معركة أخرى هل تفتح معركة الثأر القانوني ويعاد الحق إلى أصحابه كأن نعثر على الجسر ونستخرج الجثة من الاسمنت لتدفن ويصلى عليها ويحج إليها أهل القتيل؟
السؤال عن السبب هو السؤال الكاشف لطبيعة النظام القاتل. لذلك وقبل الوصول إلى الإجابة انطلقت حرب أخرى يستعر أوراها حتى اللحظة في المواقع الاجتماعية وفي وسائل إعلام المنظومة نفسها ولكنها توشك أن تمتد إلى أبعد من ذلك لأن الحقيقة ظهرت ولا تزال الكرامة مرهونة بلحظة الاعتراف والاعتذار وإعادة منح الحقوق لأصحابها وليس لأهل المطماطي من طلب غير الحصول على حقهم في قبر لشهيدهم.
الحرب استعرت بدأ بتحقير الهيئة المنتخبة كل الأسلحة جائزة إذا لم يفد التشكيك سنصل الى تحريك الآلة الإرهابية التي تحركت كلما كانت المنظومة القديمة تدفع إلى زاوية أزمة تفضحها. الأيدي الآن على القلوب في تونس لأن القتلة القدامى يمكنهم تحريك الإرهاب وهذه قناعة في تونس. الإرهاب يتحرك بريموت كونترول مركزي ليضع الناس بين خيارين قبول المنظومة كما هي دون محاسبة أو فقدان الأمن والأمان بإطلاق غربان الإرهاب فوق الرؤوس ليبيت الناس بين متوجس ومرعوب.
بؤس المنظومة الخائفة من تاريخها
في الطريق الى أزمة نذكر أن الهيئة الدستورية (الحقيقة والكرامة) أفلحت بما بين أيديها من حجج (وقد حجب عنها الأرشيف الموثق للجرائم.) في تعرية المدافعين عن المنظومة. وتحقير دماء الشهداء. استخرجت المنظومة من دفاترها خطاب الدفاع عن المؤسسات وهيبة الدولة وعدم تحقير الجيش والأمن. فالأجهزة يجب أن تعمل في طمأنينة لتؤدي واجبها في حماية الوطن خطاب وطنية يعرف التونسيون أنه كاذب ومنافق. واستخرجوا أكثر من ذلك حقد ايديولوجي عميق لا يمحي فالإسلاميون لا يستحقون الحياة. لذلك ورغم أن مظلومين كثر من تيارات أخرى تحدثوا عما حاق بهم من ظلم وقهر. فإن التركيز تم فقط على عدم أحقية الإسلاميين بالحديث عن مظلمتهم. فقيل الكثير الذي لا يمكن تلخيصه ولكن جملة واحدة تكفي لقد كانت المنظومة على حق في قتل الإسلاميين لأنهم يمكن أن يكونوا مجرمين. أي أنهم يجب أن يقتلوا على الاحتمال لا على الفعل المنجز( لاحق لإسلامي في قرينة براءة). هكذا حوكموا وهكذا نفوا وهكذا يمنعون الآن من الحديث عن معانتاهم رغم أن من تكلم منهم أسقط حقه القانوني في التتبع واكتفى بطلب الاعتراف ومعرفة الأسباب.
المنظومة خائفة ومرعوبة وسيقودها خوفها إلى الجسر حيث دفن كمال المطماطي وستخرج الحقيقة. خوفها يدمرها من الداخل وإن تخفَّت وراء خطاب وطنية منافق وموهت مواقعها بحيل الادارة. هذا الخوف الذي انتقل الى المنظمة بعد ان كان يرابط في نفوس الناس خطوة مهمة نحو الحقيقة الكاملة. ويكمن للمظلومين إعداد شواهد قبورهم بعنوان الشهادة وسيكون من حقهم أن يضعوا على قبور القتلة شواهد بالقتل تكون علامة على زمن قادم لا يموت فيها الإنسان ويدفن داخل قالب من الاسمنت المسلح.
لقد قالت الثورة كلمتها ودماء المطماطي ورفقته من كل التيارات أسست لجسور بلا دم ستعبر فوقها الأجيال ولو بعد حين إلى زمن آخر .ولعل في اختيار القبر الاسمنتي دلالة لم ينتبه اليها القتلة هي أن الجسور معابر نحو أفق جديد. وقد دفع ثمنها دما.
ونعم الدم دم كمال المطماطي. بورك القتيل الذي سيقتل قاتله.