الماريشال غنوشي

Photo

يختلف قليلا عن الماريشال عمار. وهو يحسن الإمضاء وخاصة يحسن القراءة. لكنه يقع أحيانا على الكتاب الخطأ فينتهي إلى موقف لا يختلف عن الماريشال عمار وهو يكابد لفك الحرف ليندمج. كلاهما (كلهم)جاء (وا) من الفقر المدقع من مدن الهامش. من اللامكان بحثا عن مكان في المكان. كلاهما فكر أن المكان واحد مكان في المدينة بعد خلع أحضان أهلها المغلقة في وجه الغاشي. وكل من ليس منهم غاشٍ وغريبٍ يجب أن يبيت خارج الأسوار. الماريشال عمار هو النسخة التونسية من (Le bourgeois gentilhomme ) مسرحية مستقاة كأغلب نصوص المسرح التونسي (الطُّلعة) من نصوص فرنسية أصلية(موليار). الريفي (غني الصدفة) الذي يسعى للاندماج في نخب المدن الحضرية مقلدا سلوكها وطريقة عيشها. فيتحول أمام انغلاق النمط السلوكي الحضري إلى مسخرة. ووجه الشبه هو هذا السعي الحثيث إلى الاندماج بالتصنع لا بالقوة. بناء على قراءة خاطئة في أن السلوك الصائب هو سلوك أهل الحاضرة. وهذا هو الكتاب الخطأ الذي قرأه المارشال وبقية الماريشالات مع حفظ الفارق في التقدير للإحياء منهم بعيدا عن الشخصية المسرحية.

الكتاب الخطأ.

قرر ابن خلدون الحضري ضحية العربان أن التمدن غاية البدوي يجري إليها. ولم يسأله أحد إن كان ذلك تقرير حالة(قاعدة علمية) أم شهوة تنهي مآسيه التي سببها البدو(إيديولوجيا). وسارت الركبان بذلك حتى صار خطة. تكبر المدن وتبني أسوارها وتبني نظام التبادل الاقتصادي وتنتظر البدو يدخلون السور يتبضعون ثم يبيتون خارجه( في رحبة الغنم). في المدينة يسك النقد ويحتكر الذهب والعلم. فهي التي تمنح الشهادة العلمية وتصنع القضاة والعدول وعلماؤها وحدهم يملكون حق تفسير النص المقدس والحكم على عقائد الناس فهي نصف إله يرزق ويقدر. تحولت أمنية ابن خلدون إلى قانون تاريخي. المدينة هي الأصل والريف/البادية ملحق مهمته إنتاج الغذاء.الأمر في ظاهره تكامل أما باطنه فتبعية. الثورة الصناعية (المصطنعة) لم تزد إلا في تكريس هذه التبعية. والدولة الوطنية عمقت الفوارق فمات الريف أو يكاد.

اقتصاد الريف هامش لاقتصاد مدينة هامش بدورها لمدن وراء البحر.(وهذا موضوع فرعي في نصنا) لكن التبعية ظهرت في آليات صناعة القيمة والرموز. كل ما في المدينة راق(تقدمي) وكل ما في الريف متخلف. تلاشت نخبة الواسطة مع الله وحلت محلها نخبة الوساطة مع المال والحياة الحلوة. وذو الحظ من تسرب إلى المدينة ولم يبت خارج السور الذي انهدم حجره وبقي أثره. لم يفهم الماريشال(المتعدد) (في النص وفي الواقع) أنه دخل من الباب الخطأ. المدينة حومة ولها كبار لا ينقرضون إلا ليتجددوا. للمدن قانون خاص للتموقع فصوله نطق القاف ولبس الجبة ولون العينين أحيانا وجوهره صناعة القيمة وتوزيع الحق في الحياة. والأغنياء الجدد يظلون دوما (أقعار) وإن تصنعوا الرهافة.

آه يجب أن نتذكر للزعيم حيلته في نقل ثقل السلطة إلى الساحل. بما همش إلى حين نخب العاصمة التي احتقرته. لكنه عجز عن كسر روح المدينة وفتح مكتبه في باب سويقة لم يجعل منه بَلْدِي فأصهر إلى أهلها (بواحدة اسمها للصدفة المحضة وسيلة) ورغم التذلل ظل الصهر الأجنبي. لقد أخضعوه بنفسه الصغيرة. يحتاج كسر المدن المغلقة إلى نفوس كبيرة تحمل مشروعا أكبر من الشخص. رؤية جديدة للعالم.

الماريشالات الفراشات.

لا يوجد فرق جوهري ولا شكلي إلا في مقاس الجبة بين الغنوشي والمرزوقي والهمامي والفرشيشي والجلاصي. كلهم فراشات تتهافت على ضوء المدينة الذي لم يشعلوه إلا من أجسادهم . لقد اعتصر زيتهم للفتيل الحضري واستضاء به الساكنة الأصلية. وهم يُعصرون لمزيد من زيد الفتيل. لذلك لا يمكنهم رؤية الصورة كاملة. والأدهى أنهم يقدمون بعضهم بعضا زيتا للمحرقة ويتوهمون الخلاص وإنما يتخلصون من بعضهم بعضا. لا رؤية لهم ولا علم إلا ما علمتهم المدنية التي ليست مدينتهم.

سيبدو هذا الطرح قديما للمولعين بكراسات يسراوية واسلاموية وسيجدون أنه يغيب علمهم اللدني بتفاصيل التموقع الاجتماعي الحديث. ولهم الحق شكلا لكنهم لن يجدوا تفسيرا لمقدار الاحتقار الذي يجدونه الآن في القصر وهم يرون من لا قاعدة له من شعب أو فكر يتخذهم كورا ويلعب بهم لعب الصبيان بكرة القماش. يعجز تحليلهم عن سبر أسبابهم فيكتفون بالتنازع بين قدمي الصبي المستجد يمن عليهم حقهم في البقاء.

إنهم يستبطنون الاحتقار ويهربون منه إليه سائلين رب المدينة المزيف رضاه وكرمه. يروجون لخطاب الدولة والسلام الاجتماعي ليحفظوا أجسادهم من كبريت السلطة التي لم يفلحوا في الاستحواذ عليها. يبررون فرقتهم بخلافات مستوردة ففي خلافتاهم رحمتهم إذ يتقدمون فرادى للعطاء وديدنهم أن اثقب عيني لتعمي صاحبي من خلفي. يخوضون المعركة بأدوات لم يصنعوها وإنما أعطيت لهم ليقتتلوا من يدخل أولا من الباب على السلطة الباهرة. فإذا دخل أحدهم اجتهد في إغلاق الباب من خلفه لكي لا يعير بالرقص عاريا أمام الباب الواطي.

ماريشلات لكن جنودهم دمى صامتة لذلك يستعملونهم للتصفيق لعل حماس الرب يرتفع قليلا فيمنح.

الماريشال عمار لم يكن مسرحية كن عرضا مختصرا لواقع لا يمكن كسره. أما أن تكون مهرج سلطة أو أن تموت . والناجون الآن منهم يتعلمون رقصات جديدة بلغة جزلة. فالسلطان جدد طاقمه و أعد مجلس الفرجة. والبطريق حول خريفه ربيعا.

لقد ازدحموا على الباب ليكونوا نخبة المدينة فاكتشفوا موقعهم في طقم التهريج.

الاندماج في النخبة أم الاندماج في الشعب؟.

هذا السؤال الذي كان يجب أن يطرح (أو الكتاب الذي يجب أن يفتح) من قبل الماريشلات جميعهم ولكن أين الشعب في المدن أم في الأرياف طبقا للتقسيم السابق؟ لمقاربة الإجابة ولو دون يقين يجب قراءة 60 عاما من الدولة الحديثة بقطع النظر عن وطنيتها.

المدخل السليم أو الكتاب الواجب في اللحظة (وقد انقضت ) هو كسر قاعدة ابن خلدون الحتمية. ألا تكون المدينة غاية وهوية. لذلك وجب تقديم مشروع آخر لهذه النخبة بعقل مختلف ليس لتحويلها إلى قاعدة حزبية أو الاختباء داخلها والتظلل بظلها فهي ليست معنية إلا بذواتها ولا يضيرها نعتها بالانتهازية(سياسة ما بعد الأحزاب). بل لبناء الديمقراطية معها على غير قاعدة الهوية ولا التربية الأخلاقية ولا الأمة ولا البروليتاريا هذه النخبة لها هدف تريده ويمكن أن لا يتناقض هدفها الفرداني مع هدف عام يخرج منه الجميع مستفيدا ويحدث التغيير المطلوب.

كان المنطلق أن يقول الماريشلات في كورس جماعي صاخب : لقد تحطم سور المدينة ولم يعد فيها من الكبار إلا دعي. وبقي الآن الإجهاز على المدينة المرجع. أي تفكيك العاصمة الوحيدة فتصير كل مدينة مهما صغر حجمها عاصمة لأهلها لطبقتها وفلاحيها. فتطرق أبواب أخرى وتهمش النخبة التي زعمت امتلاك حق توزيع الأكسجين على العامة.

لقد فقدت النخبة التقليدية(الوسيطة مع الله) مكانتها وتشكلت نخبة أخرى غير معنية بالعلاقة مع الله. لها مطالب أخرى وتبيع سلعة مختلفة. النخبة المُسْتَجَدَّة بحكم التعليم والتمهين الجديد لم تعد في المكان ولا في المجال الرمزي المحتكر. لقد تعددت وتنوعت في التخصص وتوزعت في الجغرافيا. ومن يريد أن يقترب منها أو يستقطبها يجب أن يفتح عينه عليها حيث هي. ولكن كيف وبماذا؟ إن طبيعتها انتفاعية ومستوى عيشها وطموحاتها المادية مقدم على كل انتماء الفكري أو التزام. فكرة الاستقلال السياسي مثلا لا تعني لها شيئا فالتجنيس بجنسية أجنبية غايتها بعد أن كانت محرمة تحريما وفخرها في الشهادة الأجنبية من الجامعة الأجنبية. الهوية عندها فردانية والانتماء الاجتماعي فرداني. والبقاء في المدينة ليس مطمحا هوية بل(خبزة) يمكن لو توفرت في مكان آخر لما بقي للمدينة قيمة. المدينة صارت محطة في طريق الهويات الاجتماعية الجديدة وليست غاية يسعى إليها.

هذه النخبة لها مطلب / مشروع اجتماعي.انها الطبقة الوسطى الجديدة ذات طبيعة متحركة مطواعة غير إيديولوجية وبها هشاشة نعم. وكسر رمزية المدن واحتكارها للاقتصاد وللقيمة تمهد لها فتخدمها وتخدم بها الديمقراطية. كسر تبعية الريف للمدينة في كل تبادل اقتصادي. يكسر احتكار المدن الكبرى للقرار السياسي والمركزة الثقافية وبالتالي اصطناع النخب السياسية والفكرية بالاستزلام. وقلب هذا المسار ممكن بقلب عملية التبادل التاريخية. هنا تزدهر بشكل آلي طبقة وسطى ريفية عمادها منتجي الغداء ومصنعيه. ستكبر المدن الصغرى آليا وتتحضر وتخلق ملاهيها ومتعها ومع الوقت تصنع رموزها وثقافتها وتجدد نخبها وتحدد وهي ممتلئة البطون علاقتها مع الله ومع الوطن. فالإيمان بهذه الغيبيات مهما كانت براعة الداعية يرتبط بحالة شبع.

الاندماج الحقيقي يكون في الشعب إذن وليس في النخب الحضرية القديمة التي تزعم ثقلا لا تمتلكه وتمنح أنفسها أدوارا من جهل الآخرين بحجمها المزعوم. ساعتها ينتهي طموح الماريشالات في الاندماج لأنهم يعودون إلى قراهم فيحولونها مدنا.

نرجح أن السعي إلى الاندماج في النخبة هو ذريعة لأمر آخر. هو غياب برنامج عمل سياسي واجتماعي لم يستوعب تطورات المجتمع المحلي ومحيطه ولا يفهم أو يتجاهل عامدا أن سردية الهوية والاستقلال والسيادة جزء منها قد سقطت بالتقادم.(يستوي في هذا المارشالات والجنود الصغار الذي عاشوا دوما في انتظار البيان رقم واحد وسرديات أخرى زعمت العمل على العمق الاجتماعي ولكنه أبدعت فقط في أشكال قتل الإنسان).

لقد كان السعي إلى الاندماج محاولة خلاص ضمن براديقم النخبة التقليدية نفسها. كما فعل المارشال في النص تماما. (كما فعل كل الآفاقيين منذ ابن عرفة)(لنتذكر أبرهة الحبشي لقد كان أذكى بمسافات فقد بنى كعبته الخاصة ليخرج من هيمنة كعبة قريش على التجارة والقيمة)

و لقد خاض الزعيم معركة مع سور المدينة فحطمه وكان يرغب أن تكون مدينة مفتوحة رمزا ومعنى. لكنه وهو يحطم السور كان يتودد فردا لا فكرة إلى نخبة المدينة بالمصاهرة والاصطناع. وكانوا يعرفون نواياه ويستولون عليه. ويخفون ثاراتهم. وهاهم يثأرون منه ومن كل دعي يطرق عليهم بابهم. فيحولونه إلى ماريشال على ركحهم ويضحكون. لقد قال ابن خلدون أيضا إنما اختلاف الأمم والأجيال إنما يكون باختلاف نحلتهم من المعاش. وما يجري الآن هو تأبيد نحلة المدينة لا كسرها. فاضحكوا من الماريشالات الجدد ولا تنتظروا المعجزة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات