حروب الخليج العربي تلقي بظلالها على تونس

Photo

لو خرج خط قطر تركيا الإخوان من معركة حصار قطر منتصرا أو غير مهزوم في مرحلة أولى فستكون بداية الحسم. وسيكون ما بعد حصار الدوحة غير ما كان قبلها..

ليست الحرب الأولى ولن تكون الأخيرة للأسف فحروب الشرق مفتوحة كمسلسل مكسيكي بلا عقدة ولا حبكة لكنها مثيرة للشحناء. آخر حروب الشرق حصار بعض العرب لدولة قطر. المعركة تجري على بعد آلاف الأميال لكن غبارها وصل إلى عيون التونسيين فأعمى الكثير منها. هذه الورقة البسيطة تهتم بتفاعلات النخب النشيطة في الساحة السياسية وفي مواقع التواصل الاجتماعي. وافق معركة حصار الدوحة. باعتباره جزءا من حرب طويلة بين تيارات الفكر والسياسة في الوطن العربي.

معركة ضمن حرب

لم ينظر التونسيون إلى حصار قطر عربيا وإخضاعها على أنه حادث معزول وبلا مقدمات وبلا محاور، وهو ما أعاد النقاشات إلى نقطة بداية موغلة في التاريخ وأعاد تعرية الاصطفافات القديمة، لكن مسار الأزمة هناك خلال أربعة أيام خلط أوراقا كثيرة ودفعت البعض إلى الاختباء، فبعض المواقف القديمة لم يكن عسر الدفاع عنها إلا كبرا وغرورا خاصة بعد تبين مطالب المحاصرين لقطر وتصريح الجبير وزير خارجية المملكة العربية السعودية. عن حتمية قطع قطر علاقاتها مع المقاومة الفلسطينية والتي على رأسها الآن حركة حماس الإخوانية.

إذن هي معركة ضمن حرب مدارها القضية العربية الأم. فلسطين. وهذا سبب الارتباك في صف النخب التونسية الممزقة أصلا حول مخرجات الربيع العربي والحرب الأهلية السورية وانقلاب العسكر المصري والحرب في اليمن والموقف من دول الجوار العربي خاصة إيران وتركيا.

صف قطر تركيا الإخوان.

عانى هذا الصف طويلا منذ الانقلاب المصري وتراجع الثورة السورية وتحولها إلى حرب أهلية حشرت فيها قوى دولية أنوفها وحولت وجهتها، وكانت نقطة ضعف هذا الصف أنه لم يجد (تخريجة/تبريرا مقنعا) لدخول داعش على خط الثورة السورية. وتحويل وجهتها إلى صراع مذهبي طائفي استفادت منه قوى كثيرة وخسر فيها الشعب السوري ثورته.

لقد دمغ كل هذا الصف بالإرهاب وكانت قطر (قطرائيل)أول المتهمين فهي التي تضخ أموالا في هذه الحرب وتبرر له بقناة الجزيرة (الخنزيرة في لغتهم)ولم يفلح هؤلاء في دحض التهمة بتأكيد ضلوع السعودية في تمويل داعش وتوجيهها لتخريب الثورة السورية. فلما تبين من خلال مطلب محاصري قطر أن المطلوب هو الكف عن مساعدة حركة حماس والتخلي عن الإخوان (الحركة الأم لحماس) سقطت دفعة واحدة تهمة قطر الإرهابية لتخرج قطر المقاومة فانتقل الارتباك إلى صف أنصار بشار وأنصار العسكر المصري الذين برروا كل التراجعات عن جوهر الربيع العربي بأنه مؤامرة صهيونية غايتها طمس قضية فلسطين وإخراجها من التداول والدفع إلى حل صهيوني.

هذا الصف عاش الأيام الأخيرة على أنه ممثل خط المقاومة وأن الاصطفاف ضده هو اصطفاف ضد المقاومة وذهب شقه الاخواني إلى أن الإخوان هم عمود المقاومة وعمود الربيع العربي الذي تحاربه الرجعية العربية ممثلة في الإمارات والسعودية. وأن هؤلاء ليسوا أكثر من قادة ثورة مضادة لثورة الشعب العربي الحقيقية.

تنفس هذا المعسكر الصعداء واستعاد أنفاسه واستبشر خاصة بعد زئير الحليف التركي (الإسلامي) ودخوله بقوة على خط حماية قطر عسكريا(فجأة تذكر الجميع معاهدة دفاع مشترك كانت مرت بصمت بين قطر وتركيا لمثل هذا اليوم العصيب). بل ظهرت جمل متعاطفة مع إيران مخربة سوريا والعراق إثر الضربة الإرهابية في برلمانها وفي مرقد الخميني. وقال البعض بإمكانية تأليف محور قطر تركيا إيران الإخوان.

هذا المعسكر وضع على طاولة خصومه سؤالا لم يمكنه الإجابة عنه حتى الآن هل كانت السعودية والإمارات وقطر معا في الحرب السورية؟ إن كان الأمر كذلك فلماذا اختلفوا بسرعة وظهر مطلب قطع تمويل حماس؟ ومحاولة تحميل قطر الإرهاب وحدها؟ وأي إرهاب انه إرهاب محصور في حماس وحدها دون داعش ودون النصرة ودون القاعدة.

معسكر المؤامرة العبرية (أو الربيع العبري)

اعتقد هذا المعسكر أنه انتصر في سوريا نصرا مؤزرا. وأن الإرهاب الوهابي (الاخواني تصريحا وضمنا) قد انكسر وانتصر خط المقاومة والممانعة وخرج بشار بطلا قوميا. وهو شعور يغطي على وجود قاعدة روسية لأول مرة في تاريخ الشرق الوسط وبعقد يدوم 50 عاما قابلة للتمديد. كما يغطي على أمرين آخرين مهمين أولا وجود إيراني عسكري ميليشوي كثيف على الأرض وثانيا (رغم الدعم)عجز دولة الأسد المنتصر على بسط نفوذها على كل التراب السوري وبدء عملية إعمار دون مال خليجي تستعيد به سوريا قدرتها على حماية نفسها ذاتيا ودعم المقاومة عنوان مجدها.

في أزمة حصار قطر زاد الأمر تعقيدا إذ تبين أن العلاقة القطرية الإيرانية لم تكن علاقة عداء وأن إيران ممولة بشار وحاميته ليست من رأيهم بخصوص العلاقة مع قطر بل إن عرضها المساعدة في فك الحصار خلط أوراقهم خلطا فظيعا. فصمت أغلبهم إذ فقد بوصلة التصنيف القديم ووجد نفسه بين فكي كماشة: إيران حليفته تضع اليد مع قطر عدوته. والسعودية عدوته تحارب عدوته قطر فمع أي العدوين يقف. هنا خرج الموقف القديم استعادة الموقف المعادي للإخوان المسلمين (أصل الإرهاب) في الأطروحة البشارية(الأسدية البعثية العلمانية العربية) منذ ما قبل معركة حماة سنة 1982. حين لم تكن الجزيرة لتنقل القتل بالبراميل.

وقد كان من طرائف الخطاب أن هذا المعسكر كان يشنع يوم الأحد على السعودية والإمارات التي ابتزها ترمب وسرق أموالها في وضح النهار وكانت أحاديث عن عمالة وخيانة هذه الرجعيات التي مولت الإرهاب في سوريا لكن صباح الإثنين اختفى هذا الخطاب وحل محله الحديث عن إرهاب قطر وسلامة الموقف السعودي الذي يحاصرها. وصار محمد بن زايد بطلا قوميا.

المعركة مع تنظيم الإخوان المسلمين مفتاح لكل المعارك.

هنا يجب الوقوف لفهم ما سبق وما سيأتي. حرب التيارات الفكرية والأيديولوجية القومية واليسارية العربية مع الإخوان المسلمين منذ حادثة المنشية (محاولة اغتيال عبد الناصر).هذه الحرب مستمرة وفيها تسقط كل القناعات والخطابات والمواقف وتنجلي المواقف وتتحدد الاصطفافات.

طيلة سنة 2011 وقبل انتخابات تونس (2011) و (مصر 2012) كانت كل هذه التيارات تقول بالربيع العربي والثورة ولكنها دخلت الانتخابات وخسرتها أمام الإخوان (وصيغته النهضة التونسية والعدالة والتنمية التركية والمغربية والإصلاح اليمني) فتمت استعادة نظرية المؤامرة وصار الربيع العربي ربيعا عبريا. ودخلنا في سياق تخريب ثورة لا يجب أن يربح فيها الإخوان في أي مكان. ولو في غزة التي خاضت حربا بتمويل مصري بسلاح مهرب من ليبيا القذافي.(نتذكر هنا المواقف من الانقلاب التركي الفاشل).

انقلبت هذه التيارات على قناة الجزيرة القطرية التي منحتها صوتا لتتكلم ذات يوم. فصارت الخنزيرة الصهيونية. وصار كل محارب لها تقدميا بما في ذلك النظام السعودي(أبو الرجعية العربية وراعيها منذ ثورة يوليو) كانت هذه التيارات ترى فعل إيران التخريبي في العراق لكنها من أجل إلغاء احتمال انتصار الإخوان في سوريا قبلت تدخلا إيرانيا فيها لقطع الطريق على هذا الاحتمال وصارت كل الثورة السورية إرهابا. كانت سوريا الأرض التي انكسر فيها الربيع العربي انكسارا بينا. وما الموقف من قطر إلا من استتباعاته.

لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض بين التيارات القومية واليسارية العربية وبين الإخوان المسلمين. هذا هو جوهر الحرب. والحوادث الباقية تنويعات على الموقف الأصلي. كل من عادى الإخوان يصير محببا لدى أعدائهم حتى النظام السعودي وكل من وقف معهم يصير عدوا حتى لو كان يضخ المال للمقاومة السنية (حماس) والشيعية (حزب الله)

مازلنا ندور طويلا حول هذا الرحى المدمرة للقدرات. وما زال الصهاينة يصبون النار على هذه المعركة فتتقد. ومستقبل الأمة مرهون باندحار أحد طرفي هذه المعركة. ولا يمكن لمثلي مهما تعالمت توقع أفق ولكني أقول لو (ولو هذه ليست من العلم في شيء بل هي في باب الظن). لو خرج خط قطر تركيا الإخوان من معركة حصار قطر منتصرا أو غير مهزوم في مرحلة أولى فستكون بداية الحسم بين التيارين في بقية الأقطار العربية. وسيكون ما بعد حصار الدوحة غير ما كان قبلها.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات