
(كتبته منذ 13 سنة ...وقد يئست مني حتى كتبت نعيي في رواية)
تقع في الجانب الشرقي من القرية لما فتحت عيني على الدنيا كانت هناك فصل واحد ودار للمعلم وفسقية بسطح إسمنتي واسع كأنه ملعب كرة ثم أضاف الأهالي من حر مالهم فصلين. سبقني أخي إلى هناك وحرمت على أختيّ صونا للعفاف ليغفر الله لأبي لقد ألحف في حقهما إلحافا.
كان أخي يعود من المدرسة مزهوا ويستعرض علي محفوظاته ويقرأ لي صور القرآن التي حفظها.كنا نقضي أيام الآحاد معا خلف القطيع الصغير ننوع ألعابنا ونبتكر الجديد.كان يوم العطلة يمر سريعا. أقول لأخي لماذا يوم الأحد قصير على خلاف بقية الأيام التي أكون فيها وحدي يقول لي أنه هو الذي قال ليوم الأحد أن يكون قصيرا لأنه يريد أن يعود إلى المدرسة. أصدقه كيف يمكن لمن يذهب إلى المدرسة أن يؤثر في طول اليوم ؟ وانتظر بقية الأيام أن يعود لي لنلعب ألعابنا الصغيرة خلف القطيع الصغير ونأكل تمرا بلبن فوق راس هضبة جرداء ونقرأ الأفق البعيد بلا معلم.
رأيت الكراسات وفرقت بين أحجامها ورأيت كراس المحفوظات وكراس التصوير وعلمني أخي مما تعلم. كتبت أول الحروف على رمل الوادي بطرف عصا الراعي الصغير، أجلسني أخي كما يجلس معلم تلاميذه أمامه وتكلم كما يتكلم المعلم لما عرفت كيف يتكلم المعلم في وقت لاحق ضربني على أطراف أصابعي بالعصا، ترفق بي كان يريد أن يكون معلما فكان وكنت تلميذه الأول والأخير. كان أخي هو معلمي الأول منه فرقت بين الحروف العربية ونقطت التاء والقاف والشين. سميت أبي وأمي ومنزلنا وواحتنا و حمارنا و كلبتنا بالفرنسية وقلت بالفرنسية أغلق فمك واسكت يا كلب وكل السباب الذي أطلقه المعلمون في وجه تلاميذهم، وحفظه التلاميذ فرحين لأنهم سبوا بلغة جديدة .
أذكر إني كنت اشتاق إلى المدرسة عندما يصف لي أخي ألعاب الأطفال في المدرسة وأذكر أني كنت أخاف من المدرسة عندما يصف لي أخي شراسة المعلمين وعصيّ الرمان التي يضعونها فوق السبورة ويشهرونها في وجوههم، وأذكر الصباح الأول عندما وضعت قدمي هناك.
اقتربت من البناء الأصفر كانت المدرسة مدهونة بلون أصفر ترك عليه المطر خيوطا بلون التمر. كنت خائفا متهيبا قبل أسبوع من الدخول انقطعت عن الأكل وكان أخي يخوفني ويضحك مني عندما اقسم أن لن اذهب إليها أبدا. تمتع أخي بتخويفي كما شاء ولكني ذهبت. لم افرح بالملابس الجديدة ، لم أفرح بالمحفظة ذات الرائحة البلاستيكية والكراسات و أغلفة الكراسات والصلصال والأقراص و الأعواد والممحاة ، غلب التهيب الرغبة في الذهاب فلما أن دخلت بصحبة أبي وأخي تخليا عني كلاهما انصرف أبي إلى الحديث مع الأولياء عن الأمطار المبكرة التي أفسدت التمر.
وانطلق أخي كالجدي مع أترابه يلعبون في الساحة الواسعة وتركاني وحدي كاليتيم، انزويت وضعت رأسي الكبير فوق حافة النافذة وبكيت. كان صوت واحد يتردد في أذني. هل سينجح الطفل أبو رأس كبيرة في الدراسة فالرأس الكبيرة غبر مجدية. كان الطفل أبو رأس كبيرة هو أنا. كانت رأسي كبيرة فعلا وغير متناسبة مع جسمي ولا أعتقد الآن أن ذلك كان لعبقرية كامنة بل كان بكل بساطة ناتجا عن سوء التغذية فلم ينم القسمان نموا متوازنا.كان الاعتقاد السائد في القرية أن الرأس الكبيرة لا تصلح لشيء كراس الحمار أو كراس الكبش كلما كبرتا فقدتا جدواهما…
لم يتعاطف معي أحد في غربتي الصغيرة وأنا أسند رأسي إلى النافذة وأبكي … التفت أحيانا إلى الضجة المحيطة كان الكهول يتجمعون في ظل الجدار يتحدثون أحاديث لا أسمع منها إلا ضجة مبهمة أما صراخ الأطفال فكان يشق عنان السماء وهذه العبارة تعلمتها في المدرسة بعد يومي الباكي.
كم استمرت عزلتي وانفرادي لم أعد اذكر مثل هذا التفصيل. أذكر أن المعلم محمود صفّر فسارعت الأقسام إلى الاصطفاف كل أمام فصله وكنت في الصف الأول وفي أول الصف لكن أطفالا شرسين جذبوني إلى الخلف فوجدت نفسي في وسط الصف وتلميذ شرس يضربني على مؤخرة ساقي بمقدمة نعله فاصمت. جاء التلاميذ إلى المدرسة بشرهم جاهزين فيما كنت أتحمل ذلك بصمت وستتابعني هذا العاهة إلى كهولتي وسأموت بها كلما دخلت مكانا وجدت الناس فيه مستعدين للشر بصفة مسبقة فاحتمل وأصلح من حالي لأحافظ فقط على البقاء بينهم أفلحت أحيانا وفشلت أخرى ونما لدى شعور بضرورة الانزواء بعيدا حتى أرى ما أريد ولقد فعلت ونجحت بينهم كلما انزويت عنهم ولعلي اكتب الآن لهذه الغاية لاستر عاهتي القاتلة.
تزاحم الأطفال على المقاعد الأولى كأنما تلقوا توصيات بذلك قبل الدخول، تراكبوا كالمعز فاتتني المقاعد الأولى. جلست حيث تيسر … لم أعارض. شفع لي قصر قامتي، فأخرجني المعلم من زاويتي و أجلسني قريبا منه في موضع يراني فيه … علّمته التجربة أن يفرغ الزوايا من المشوشين وقد تذكرت درسه الأول بعد أن وقفت على المصاطب مدرسا وكان على حق … صرخنا بأسمائنا عاليا عرف الآباء بالأبناء وربط بين أسماء الإخوة الذين مروا بين يديه في الفصول السابقة ،طاف علينا يتفقد الأظافر المحفوفة والرؤوس المغسولة رضي عن مستوى النظافة في اليوم الأول كنا اغتسلنا بالصابون في الصباح إلا من رحم ربك…
أوصى وحفظت الوصية أن لا آتي إلى المدرسة وسخا أبدا فلم أنبه طيلة حياتي المدرسية إلى ذلك إلا مرة واحدة وكنت تقدمت لاستلام جائزة السنة الخامسة …نقى المعلم حمودة لفافات من التبن من شعري الأشعث وكنت جئت من البيدر إلى المدرسة فقد كانت سنة خصبة جمعنا فيها قمحا كفانا سنتين من الكسكسي … وخجلني من وسخي حتى استلمت جائزتي باكيا كانت جائزتي رواية "فتاة غسان" لجرجي زيدان بطبعة دار المعارف بمصر من جزأين وهي التي حكمت علي بان أكون طالبا في الآداب فقد أوشكت أن احفظها عن ظهر قلب. وان انتهي إلى هذه الزاوية حيث أنا الآن اكتب رواية قد لا تمنح جائزة لتلميذ أبدا.
" تحافظون على مقاعدكم تلك إلى آخر السنة و غدا تأتون بأدواتكم كاملة… اخرجوا الآن " …
دخلت المدرسة بإحساس مسبق بالفشل لكني نجحت هل نجحت أم إني أتعزى. خرجت …. بعد أن انتهى الزحام حول الباب … تنفست كنت مخنوقا وخائفا … تسحبت كالقط وعدت وحيدا إلى البيت لم يرني أبي ولم يتبعني أخي، فلما رأيت أمي في البيت بكيت مرة ثانية. وقلت لن اذهب إلى المدرسة مرة أخرى. ولكني قمت في الغد مبكرا ولبست ملابسي الجديدة وحملت محفظتي و أدواتي وذهبت وقفت في الصف ودخلت وتعلمت.ولم تسقط محفظتي من يدي أبدا. هل نجحت أم إني أتعزى. لقد نجحت في تعلم الفشل في بلاد المحبطين.