عودة الزعيم البرونزي.

Photo

أصرّ رئيس الدولة التونسية إصرارا عجيبا على إعادة نصب تمثال بورقيبة قريبا جدا من موقعه القديم. ورفع الستار عنه في بهرج رسمي رغم رأي عام مخذول لم يعره الرئيس أي اهتمام أو تقدير. وفرض خياره الرمزي على شعب لم يعد يرى في صاحب التمثال إلا ذكرى بعيدة مشوبة بألم بالغ. فما سر حرصه وما مرامي عمله الفني وهو الذي لم يعرف عنه ميل إلى الثقافة ولا محبة لأهلها بل إن صورة المحامي الذي يعيش بين أروقة المحاكم هي الغالبة والبعض يزيدها صورة تاجر الخمور المحترف.

عاد التمثال نكاية في الدستور الجديد.

يستعاد التمثال ضد الدستور وتحقيرا له وتجاوزا لمؤسساته. وهذا معنى يحرص الرئيس على فرضه على النفوس وفي مكان انتصارها. وهو العارف بأنه ما كان ليصل إلى المنصب لولا الدستور الجديد. إنها النكاية المنهجية في ما يعرف بكواليس نخبة النظام القديم بدستور الاقعار (القُعْر بضم القاف وتسكين العين هو الريفي الجلف المتخلف النازح إلى الحاضرة أي العاصمة).

لقد أسس الدستور الجديد لمبدأ المحاسبة عبر هيئة الحقيقة والكرامة وذلك يعني رمزيا أن الاقعار (الذين كانوا خاضعين فقط للقانون) قد صاروا أندادا ونظراء للأهل الحاضرة في وضعه وتطبيقه. لذلك وجب كسر هذه الندية نفسيا. لا يجب أن يصل الرعاع إلى شعور بالنخوة والعزة ويجب الحفاظ عليهم مكسوري الخاطر كما فعل الزعيم. والتمثال تذكير وتهديد خاصة لجهة اختيار مكانه. الذين توهموا انتصارا في مكان محدد أعيد التمثال ليقول أن المكان(الدولة)ليس(ت) لهم أنه للزعيم وقد استعاده(ا). ما من إهانة أبلغ للدستور وواضعيه والمصادقين عليه والفرحين به من تنصيب سبب ألام التونسيين تمثالا حارسا لمكان انتصارهم عليه ذات يوم. وقد حرص الرئيس على ذلك وبشكل استعراضي يليق بمنتقم جبار.

كما يعرف السياسيون وأهل القانون أن رد الاعتبار للضحايا سيجعل الزعيم هدفا. لقد نكل بورقيبة بالجميع وفي كل مراحل حكومته ولذلك فإن كل ملف محاسبة سيشير إليه ويدينه. وتتسع الإدانة لمن استفاد منه ومن نفوذه. بمن فيهم الرئيس الحالي الذي كان في أجهزته الأمنية ومتهم بالتعذيب والتنكيل خاصة باليوسفيين. ولذلك فإن إعلاء الزعيم الآن يستهدف إخراجه من دائرة المحاسبة فهو رمز لا حقيقة أي فوق المحاسبة والذين كانوا في خدمته يرتقون آليا إلى خدمة الرموز ويكتسبون بعض حصانة الكهنة في المعبد أي أن لا يخضعوا أبدا إلى محاسبة مهما كانت درجتها وخاصة على قاعدة "دستور الاقعار".

معركة الرموز المستنفذة.

نصب التماثيل فعل فني ثقافي يفترض أن يعبر عن حرية واضعيه وأهدافهم. يأخذ السياسيون قسطا وافرا من التماثيل المنصوبة في العالم كانت التماثيل تأتي متأخرة عن أصحابها الذين يحوزون بفعلهم الوطني مكانة مجمع عليها في النفوس. ولكن التجارب الستالينية والنازية والفاشية استعملت الفن للتربية على الخضوع والطاعة ومنها تعلم حكام العرب الفاشيين فرض تماثيلهم على شعوبهم بالقوة فملئوا الشوارع والساحات بوجوهم المنكورة شعبيا.(بورقيبة وصدام والأسد خاصة).

في كل التحركات الشعبية الاحتجاجية كانت تماثيل بورقيبة تستهدف كما يستهدف شخصه وشرطته ووزراءه. كان كره الناس للشخص ينصب على تمثاله لذلك لما سقط لم يترحم عليه أحد. ولما استعيد جاء من المتفرجين نوعان:

(1) فئة عجوز رفع بعضهم عكازه للتحية. هؤلاء دخلوا منطقة (ليت الشباب يعود يوما) وبورقيبة يذكرهم بتاريخهم وأحلام شبابهم الأمر لا يختلف عن عثور العجوز على صورة عرسها وهي في أرذل العمر. إنه عندهم قريب جدا من شخصية أم تراكي التي شاهدوها في الستينات. لم يكن بورقيبة عندهم إلا ذكرى لشبابهم وذلك لسبب جلي هو أنه لم يربهم على الديمقراطية وإنما على الخضوع وفي كل خضوع حنين هو الحنين نفسه الذي دفع عبيدا محررين إلى العودة إلى أسيادهم.

(2) فئة شابة تجهل الزعيم ولا تبالي به لأن ليس لها رموز ولا شخصيات اعتبارية. هي الفئة التي حطمت النظام ورموزه ولم تفلح بعد في بناء رموزها بعد وقد لا تفعل ولكنها واثقة أن الماضي لا يمثل لها شيئا مذكورا. ولو لم يكن تمثال الزعيم في مكان مراقب بكاميرا الأمن لتحول في ليلته إلى مبولة سكارى.

التقاء الفئتين حول نفس النصب ونفس الزعيم أمر غير وارد في قوانين التلقي الثقافي والانخراط السياسي والانتماء. وعبثا يحاول الرئيس الحالي إعادة زرع نفس الرمز في جيل مختلف. لقد فاته القطار فعلا ولكن لعل في ذلك أمر شخصي خارج ديماغوجيا الدولة التي ترمم المنهدم من رمزياتها في النفوس.

الانتقام البَلْدِي من الساحل.

يوجد في تونس لغم مدسوس من حروب قديمة ساهم الزعيم في تسعيرها ويحاول الجميع بعد الثورة تجاهله لكني اعتقد أن في تنصيب التمثال محاولة لنبش اللغم أو إعادة تفجيره انه لغم الحروب الجهوية. لقد ولدت السياسة في الحاضرة وعند نخبتها الارستقراطية. وكانت سلطة البايات الحسينية ملكا لهم. وكانوا دائرتها المستفيدة. وقد سلطوا يوما عسكر المحلة (الجُبَاة) على منطقة الساحل فأذلوها واستحيوا نساءها. فلما قامت حركة وطنية قامت بهم ولهم. لذلك لما عجز الزعيم الشاب عن الدخول بينهم وهو الأفاقي (قادم من الأفاق البعيدة)كسر تضامنهم ضده بأن انشأ حزبه في عصبية أخرى هي عصبية الساحل الغني.(مؤتمر قصر هلال 2 مارس 1934).

وعندما تمكن من الدولة والنظام نقل ثقل العصبية إلى منطقته وحكم به. واستخدم بعض ارستقراطية الحاضرة استخداما مذلا. وكان الرئيس الحالي إحدى أدواته الغليظة. لقد زوجت الارستقراطية إحدى بناتها (وسيلة بن عمار)لاصطناعه. ولكنها كانت حيلة حريمية خسيسة لم تمكنهم من استعادة السلطة والاعتبار والغنيمة. وقد آن الأوان للانتقام ورد الاعتبار. وليس أفضل من الانتقام بالتفضل بان الأصل (الحاضرة) باق والفرع (الساحل) اندثر. ومن قوة الأصل أن يتكرم على الفرع لذلك حرض المتفضل أن يضع اسمه أعلى من اسم المتفضل عليه. وكأن لسان حاله يقول لقد بقينا وذهبتَ(أيها الساحلي) ونملك أن نقدرك بطريقتنا وأنت الذي لم يقدرك أهلك في سقوطك ومماتك. ها قد عاد الدر إلى معدنه أو عادت السلطة إلى أهلها.وقد استعدنا قبل ذلك غرفة نومك ونمنا فيها.

في تدشين النصب كانت هناك جملة يسمعها الجميع وأن لم تنطق أيها السواحلية (سكان الساحل) نحن (بلدية العاصمة)نعرف الدولة لأننا أهل لها لذلك نحترم رموزها أما انتم فقد مات الزعيم بين ظهرانيكم كالكلب. ولم تثبتوا شجاعة ولا إيمانا بالدولة. وخيرتم غنائمكم على الدفاع عن الدولة خاصة وان اللص الجديد (بن علي) ابنكم وربيبكم. تلك المزايدة الانتقامية كانت توسع ابتسامة الرئيس وهو يزيل الستارة. نفس الضحكة المنتصرة وهو يظهر للجمهور جالسا إلى مكتب بورقيبة في قصره.

أين اختفت معارضة الزعيم السابق؟

سبقت عودة التمثال حملة مزايدة بين السياسيين كل يعلن الرفض الصوتي وحده. ولكن لا يتحرك في الشارع أو في القضاء لا وحده ولا مع الآخرين. لقد تصرفوا بخوف وارتباك وحاول كل طرف توريط الآخرين في التصدي لتنصيبه عسى أن يثير ذلك ضدهم حفيظة الرئيس. وكان الرئيس العارف بمشاحنات السياسيين الصغار والمستجدين يراقبهم ويتمتع بصَغَارهم ويمضي قدما في مشروعه. لقد خبر منذ زمن غياب الجدية في عمل الحزيبات التونسية وربما زاد حرصه على مشروعه تحقيرا لهم وتحديا أن يردوا عليه بعمل محسوس. ولقد صمت الشارع المغبون ونفس غضبه في الفايس بوك ويبدو أن زمن النضال في الشارع قد ولى إلى غير رجعة. والرئيس يعرف ذلك ويطمئن به وله ليحكم على هواه.

معارضة بورقيبة خافت من بورقيبة حيا وميتا وخافت ممن خاف من بورقيبة وتصرفت بحمق ورعونة وأفاقت على التمثال واقفا في وجهها. يعلن جبنها وقلة حيلتها وهوانها على النظام. سيبقى التمثال في مكانه ما بقيت النخبة السياسية التي عرفت بورقيبة وارتعبت منه. والعزاء الأخير أن الأجيال الجديدة كافرة بالجميع بدأ بالزعيم وانتهاء بأزلامه.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات