الفرز متواصل على قاعدة الوطنية

Photo

لا تزال الثورة تقدم دروسها وتلقي بأضوائها الكاشفة على المرحلة الموالية كلما مررنا من محطة قاصدين أخرى. وأعتقد أن تقصير الحكومات في إنجاز المطلوب ثوريا، ليس سببا كافيا لنجزم بفشل الثورة ونشرع في البكاء على أطلال النظام القديم، وننادي الدكتاتور ليصلح ما أفسد رعاع الثورة القادمين من الأطراف المغبرة. كم كان بودنا أن يكون الوضع مثاليا : ثورة نظيفة وحكومة ناجحة وشعب سعيد ولكن.قانون الثورات لا يتبع الأماني الشاعرية.

فبعد أن أوشكت معركة بن قردان مارس-2016 التاريخية ضد الإرهاب أن تضع أوزارها. وفي باب الفخر وتأثيث التاريخ بالرموز والمعاني التربوية يمكننا الحديث فعلا عن معركة فاصلة ضد الإرهاب محليا وعالميا. لقد انكسرت داعش ومن يوجهها ويمولها في بن قردان ومُرِّغ وجهها الكالح في التراب. بن قردان مدينة صغيرة وطرفية ومنسية ومنعوتة بالخروج عن الصف الوطني فيها انكسرت داعش (سنحتفظ بالفارق بين نابليون الذي يخدم بلده وبين داعش الإجرامية لنقول بن قردان هي واترلو داعش وإعلان نهايتها). بعدها سيفكر الإرهاب (إن كانت له ذرة من عقل) وممولوه مرات كثيرة قبل أن يعيدوا الكرة في بن قردان أو في أي مدينة أخرى.

لكن لنا الآن قبل الاحتفال بالنصر أن نحتفل بلحظة وعي أفرزتها المعركة. إنه الفرز بين المخلصين للوطن والحاملين لهمومه والصابرين على ضيمه وبين الراغبين في صفقة على جثث شهدائه. نعم الثورة تدفع إلى الفرز على قاعدة الإخلاص للوطن. ولن يكفي الحديث الفضفاض في محبته المشروطة بين نعم ولكن. فلا استثناءات في محبة الوطن ولْيَتهمنا اللاّغون في التلفزات بالفاشية.

صورة الجيش المحترف والأمن الجمهوري تتجلى.

نجمع وقائع كثيرة وننتهي عند بن قردان.

النقابات التي رضيت بزيادة معقولة وقالت بأولوية مكافحة الإرهاب قبل خوض نزال الرواتب المجحفة هي نقابة الأسلاك الأمنية التي وقفت بذكاء في انتفاضة التشغيل (جانفي/يناير2016) ولم تردَّ بانفعال طفولي على بعض غوغاء الشارع الموجهة فأفشلت الاستفزاز وقدمت صورة الأمني الذي يضع الدولة قبل المصلحة الذاتية. الوطن ثم المصلحة. لا تناقض لكن أولويات واضحة.منتسبي هذه الأسلاك رأيناهم في بن قردان في حرب الشوارع يصطادون الدواعش.

الجيش المرابط في مكان ما بعيدا عن معركة الرواتب يظهر بجلاء في بن قردان ويعلن صورته الاحترافية وسخريته الصامتة من النقابيين الذين يتحدثون عن قلة عدده وعتاده. أحدهم في الجيش يعرف بيت السموأل (إن الكرام قليل) أو لعله قرأ لامية الشنفرى (أجشع القوم أعجل) لن أدخل في التفاصيل ، فمن يحترم العسكر لا يناقشه في مهامه الميدانية.

صورة الشعب الواعي بمهامه علامة على الطريق

حول هؤلاء وقبلهم وبعدهم قال الشعب المجهول كلمته وأرسل رسائله. يا من تأتوننا في الانتخابات فقط نحن مرابطون ونعرف مهمتنا. وقد عبروا عنها بإشكال جديدة. عندما أعلن أولاد الشعب حركة "وينو البترول" تحول السؤال إلى جزء من ضمير الاحتجاج السياسي السلمي ولا يزال سؤال الثروات مطروحا. ولما أعلن أولاد الشعب مرة ثانية التشغيل استحقاق تجاوبت القرى والمداشر ولما ركب الانتهازيون الانتفاضة تراجع الشعب ليترك لصوص المظاهرات في العراء ففضحوا. ثم في بن قردان. قال الشعب لحامل البندقية أضرب نحن نحمي ظهرك فتقدم بشجاعة وانتصر. وأكملوا سنن الانتصار الرمزي فخرجوا وراء المجرمين بالعصي كما فعل أهلهم ذات يوم وراء الجندي المحتل.

هذا هو الفرز على القاعدة الوطنية لا يحتاج إلى مجلدات نظرية .لقد احتاج إلى ضمير صاح وفطرة سليمة تؤمن بالتغيير وبالمستقبل. والصبر على بطء المستقبل شرط تحقيقه.

أيها السياسيون أين انتم ؟

كم ثرثر السياسيون في الوطنية وكم أظهروا من حماسة تلفزيونية وكم أعلنوا مشاريع الحفاظ على الوطن. لكن لما اشتدت المعركة لم نجدهم. وجدنا حديثا يقسم الناس ولا يجمعهم حول الوطن. سمعنا خطابا يقوم على التفرقة ويستحضر أجندات أجنبية أو مشبوهة الولاء. قام عملها على التشكيك وبث الشائعات والأخبار الزائفة ، ولتكبر دائرة الفزع في قلوب الناس أن قد انهار البلد تحت موجات داعش.

لم يكونوا على الجبهة. كانوا في الاستوديوهات ووراء المصادح يصنعون رأيا عاما مرعوبا ومرتجفا يبحث عن مخارج للهروب من بلد غزاه الجراد الداعشي. لم يروا بل ردموا تلك الهبّة الشعبية العزلاء لدحر العدو. لم يثمنوها ولم يجعلوا منها آية في الوطنية. وتحوّل الكثير منهم إلى خبراء قتال شوارع يعلمون الجندي المرابط كيف يمسك البندقية. كانت مهمتهم التخذيل والتخذيل خيانة وأن قدم لخطابه بمحبة الوطن فلا محبة مع نعم ولكن. ولقد بحثت في المخذلين فوجدت رابطا أو خطا سياسيا واضح المعالم والحركات.

هو الخط الذي ذهب يوما إلى البرلمان الأوروبي يطلب منه أن يساعد على حل المجلس التأسيسي المنتخب والذي قسم التونسيين حسب لون دمهم والذي انتصر بأصوات الموتى في الانتخابات. والذي صوت بقطع الطريق على البعض من شركاء الوطن عوض فتحه للجميع والذي ركب على انتفاضة التشغيل ليحول التظاهر إلى جريمة. والذي كبّر داعش حتى صارت أكبر من المغول والتتار مجتمعين. كأن لم يكن يرى أطفال بن قردان يطاردونهم بالعصي والمكانس. بعض هذا الخط ورث خطا قديما عارض مطلب الاستقلال .

نعم إنه الفرز بين خطين

خط مرعوب من الاحتمال الديمقراطي على بطئه وتعثره وقلة حيلته أمام معضلات التنمية الموروثة والحادثة. هو خط نخبوي انقلابي يؤمن بالبوط العسكري والاستقراء بالسفارات.و ينسج علاقاته مع أمثال حفتر والسيسي وجزار سوريا وفلوس المواخير من بعض حكام العرب.
وخط وطني آمن بالديمقراطية المؤسسة عبر سلطة الصندوق حلا نهائيا لفرقة السياسة وطريقة للتغيير تقتضي الصبر والمثابرة والتجاوز. خط السميق(SMIG) الديمقراطي أي خط البناء على المشترك الأدنى لحين تحقيق الطموحات الأقصى والتعويل على الزمن وطول النفس والثقة في الشعب.

معركة بن قردان سلطت الضوء على الخطين ودققت الفرز على أساس وطني. معركة القاعدة الشعبية التي قالت للسياسيين هناك في أعالي المصادح نحن مرابطون على الثغور فاتخذوا لكم سبيلا إلينا. سننتظركم فقد أجلّنا حديث الخبز حتى نبني سور الوطن. لكن قد لا نطيل الانتظار فانتم أجبن من الدواعش المسلحة التي طاردناها بالمكانس.

الخط الوطني الآن هو إنقاذ السفينة بكل ركابها المختلفين فإذا واصل البعض العراك على ظهر السفينة فلأطفال بن قردان قدرتهم الخاصة والعبقرية على رمي البعض من السفينة. توجد ألف مشكلة مؤجلة قامت من أجلها ثورة ذات 17 ديسمبر لكن الوطن لا يقبل التأجيل. وهذا درس بن قردان الأبلغ.

قالت بن قردان في ربيع 2016 لن نلغي الوطن من أجل بطوننا ولكن إذا حصّنا الوطن سنلغيكم من أجله.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات