
يطرح البعض سؤالا مهما حول غياب مشروع ثقافي وفني لدى أحزاب الإسلام السياسي في الوطن العربي. على خلفية فقر جلّي في الإبداع بكل صنوفه لدى الإسلاميين منذ ظهورهم في بداية القرن العشرين وتواصل هذا الفقر رغم التغييرات الكبيرة الحاصلة في واقع التيارات الفكرية والسياسية التي تروم قياد المجتمعات وتطرح نفسها بدائل للسائد الراكد. والاجابة في تقديري ليست سهلة بالاتكاء فقط على حجة المعاناة المستمرة للتيارات الإسلامية والتحجج فقط بالمظلومية التي لم يخرج منها الإسلاميون بعد.
بين المعلقة الشعرية وسورة البقرة.
طلب من الشاعر لبيد بن ربيعة صاحب المعلقة المشهورة التي مطلعها( عـفـتِ الـديـارُ مـحـلُّـهـا فـمُـقـامُـهَــا بـمـنًـى تـأبَّـدَ غَـوْلُــهـا فَـرِجَــامُـهَــا) وهو يقضى تقاعده في البصرة بعد إسلامه أن يقرأ لجلسائه شيئا من الشعر وهو العليم به وبفنونه فقرأ لمن حضر من سورة البقرة وقال لهم خاتما الجلسة لقد أغناني الله بالقرآن عن الشعر. وهو الذي لم يعرف عنه قول شعري بعد أن أسلم وحسن إسلامه الا بيت واحد هو (الحمد لله الذي لم يأتني أجلي- حتى لبست من الإسلام سربالا) وأعتقد أن هذا الموقف على فرادته يلخص الكثير من موقف المسلمين عامة ومن موقف الاسلامين المحدثين خاصة من ضروب القول الفني. فالخلفية الدينية الاخلاقية امعادية للفنون تعود إلى أن الشعر غواية مرذولة وجب على من آمن بالله ورسوله أن يقول خيرا أو يصمت والشعر ليس من الخير إذا حضر الشاعر القرآن.
قام الإسلام على تربية المؤمنين على قول ما ينفع (تربويا)وتعلم ما يصلح للناس(نفعيا) فوضع الشعر في خانة الفساد والإفساد الأخلاقي الذي يشوه إيمان المؤمن. وما كتب في دولة الإسلام من شعر على غزارته وابداعيته قاله شعراء لم يصنفوا في المربين بل ربما أفتى الفقهاء برجمهم ونبذهم. خاصة وقد ازدهرت لديهم من الشعر أغراض مستجدة في تناقض تام مع منظومة القيم الدينية مثل الخمريات والهجاء والفخر والمديح. وزادت فنون الغناء والرقص والتمتع بتعميق الفجوة بين الأخلاق الدينية والمنتج الفني عامة) لذلك استمر هذا الفصل بين الديني والفني حتى يوم الناس هذا. فلما جاء من يزعم تجديد الإسلام حافظ على هذه القطيعة وأصّلها بنصوص تحرم الفن والمتعة ولا تزال تصلنا كل يوم فتاوى عجيبة تامر بإعدام الآلة الموسيقية وتفرض الفصل بين الإنسان ومتع الدنيا الفانية.
محاولة في توليد فتوى إباحة الفنون.
في النصف الثاني من القرن العشرين انتبه الإسلاميون بعد أن انتبه اليسار العربي عامة إلى أن الفن يمكن أن يشكل حاملا ثوريا مناضلا. ضد الدكتاتوريات وضد الاستعمار خاصة الصهيوني منه وكان للفن الفلسطيني قصب الريادة ثم تولد من ذلك فن ملتزم بقضايا الأمة في مجالات الشعر والغناء والمسرح والسينما. وعرفت كل الاقطار العربية فرقا فنية وشعراء ملتزمين لكن على قاعد أخلاقية مخففة من النص الديني لكنها تدور في فلك إبعاد الفن عن المتعة الحسية وهي خلفية دينية بالقوة. وكان الهدف التميز عن فن تروّجه الأنظمة يجذب الناس إلى الحس البليد والتخلي عن قضاياهم فنعته المناضلون بالميوعة والافساد.
الالتزام النضالي كان بوابة دخول الإسلاميين في الفن الحديث فقال بعضهم الشعر وغنى بعضهم ثم توسعت الفتاوى في إباحة الآلات من الايقاعية إلى الوترية إلى آخر فنون التوقيع الصوتي فلم نعد نسمع فتاوي التحريم عند تيارات الإسلام السياسي رغم غزارة الفتاوى القادمة من بؤرة الوهابية التكفيرية حتى الآن. الإسلامي يراود الفنون ولكنه يرتبك أمام ذهنية التحريم. ويزيد القهر السياسي في إعاقته عن الميلاد الفني فيستطيب وضع الضحية.
الفني والايديولوجي عند اليسار العربي.
لكن لماذا بقى محصول الإسلاميين ضئيلا ومحدودا مقارنة بغزارة المنتوج الفني اليساري العربي عموما ولماذا ليس للإسلاميين محمود درويش وعبد الرحمان منيف وحنا مينه ومرسال خليفة؟ قمم فنية وإبداعية تربت في مدراس اليسار الفكري وأعطت للفن صبغة يسارية حتى ظن اليسار أنه المالك الحصري للفنون الحديثة وأن الإسلاميين بالضرورة أعداء للفن وهم بتدينهم غير مؤهلين لإنتاج فنون في أي غرض من الأغراض الفنية؟
هذا السؤال/الرؤية ليست علمية وانما هي ايديولوجية تتعمد تجاهل معطيات تاريخية مهمة. وأبرزها أن الفترة الخصبة من الانتاج الثقافي اليساري من بعد الاستقلال كان أغلب اليسار العربي أما في السلطة (القوميون) أو قريبا منها بينما كان الإسلاميون في السجون والمنافي. بما يجعل مقارنة الإنتاج نوعا وكما مقارنة ظالمة. وفي أهون التقديرات نقول لم يكن اليسار في جنة وارفة لكنه لم يكن في الجحيم. ويصير من الإجحاف عند تقييم المنتجات والتوجهات تجاهل معطى رئيسي أن المطارد والسجين لا يجد وقتا ولا جهدا للأبداع.
إن هذه المعاناة المستمرة هي التي حولت سيد قطب من مكتشف وناقد لنجيب محفوظ إلى كاتب الظلال الذي يصنف الناس على أساس عقائدهم. لقد بدأ الإسلاميون الكتابة الروائية فمثال عبد الحميد جودة السحار ينبئ بانه حصل قبول لهذا الفن يتجاوز فتوى التحريم لكن كتمت الأصوات بعد ذلك فلم نجد روائيا ذا توجه اسلامي في نفس الوقت كان أغلب كتاب الرواية من اليسار والليبراليين يملكون كافة الوقت والدعم لكتابة ما يريدون.
وإذا خصصنا على المثال التونسي سنجد أن إبداع اليسار هو منحة من السلطة القائمة في نفس الوقت الذي منع الإسلامي من حريته الدنيا. (لقد أمكن لجلبار النقاش أن يسرِّب رواية على ورق علبة التبغ بينما حرم الإسلامي حتى من غلاف علبة الحليب). ولننبش في ميزانيات الدعم العمومي للثقافة سنجد أن النهر قد صبَّ في إتجاه واحد. لقد تعلَّم السينمائيون التونسيون على نفقة الدولة و انتجوا سينما بالمال العمومي وطوروا مسرحا مدعوما بمال المجموعة الوطنية.
وإذا أخذنا مساحة الحرية بعين الاعتبار لنقيس الإنتاج كمَّيا فسنجد المنتج قليل فالإمكانيات المتاحة واسعة والمردود ضعيف(كما ونوعا) مهما بالغنا في تمجيده. لقد كان المثقف اليساري يجري وحده في المضمار لكنه لم يفز بالمركز الأول. أما من حيث النوع فإن المنتج دار في تيمة واحدة لا غير هي الرد على مشروع فكري إسلامي (وسم بالرجعية والتخلف) وكان دوما حاضرا بالغياب ولا يتمتع بحق الرد. ويمكن تلخيص هذه التيمة في صورة نمطية قدمها فيلم فريد بو غدير للمؤدب الممثل للشخصية الدينية الوحيدة هي صورة المؤدب القميء الخبيث والزاني وتاجر الخادمات. لقد أخذت المعركة ضد الإسلاميين من شعر أولاد أحمد مساحة أكبر من معركته مع سلطة رأس المال فكان أن حصر شعريته في موضوع واحد عاش به وربما مات عليه.
لقد اشتغل اليسار بالثقافة وتمتع برفادة السلطة ليخوض معركته الايديولوجية التي ضيعت إبداعه وضيقت هامشه. ولم يستفد مثلا من رحابة أفق درويش الشاعر الذي تجاوز المناضل الفلسطيني إلى الإنسان ولم يستفد من مرجعية منيف الذي طارده الإسلام النفطي فلم ينشغل به ووسع أفق الرواية العربية إلى أبعد من المعارك المشخصنة.
هنا سيجد الإسلامي التونسي خاصة والعربي عامة ذريعة لفقره الإبداعي. وربما استحسن المقال الذي يمنحه حجة لكسله. لكن نقدي لضيق أفق اليسار الثقافي ووقعته الايديولوجية الخائبة ليست تبريرا لعجز الإسلامي عن الخروج من ذهنية التحريم وبقائه في مجال الاستخدام الأخلاقوي للفن وهو مجال ضيق وخانق.
هل من مشروع ثقافي للثورة العربية ؟
بعد الثورة ظهر إسلاميون يكتبون الشعر وآخرون يكتبون الرواية وأنتج أحدهم فيلما بين الوثائقي والروائي لكن المنتج يدور حتى الآن في مجال وصف المعاناة والتفجع على ما فات. ولم ينعتق من بوتقة الطلليات الفنية. وهي مرحلة إن لم تكن مؤقتة وعابرة فستكون حفرة / مقبرة لكل محاولات الخروج إلى رحابة الفن والإبداع. وستتعمق الحفرة أكثر لو بقي المبدع الإسلامي الجديد (أو العائد من المنفى) مشغولا فقط بالرد على اليساري ويدور في فلك المعركة الايديولوجية.
سؤالي حتى اللحظة في باب الحلم الطفولي فالتيارات الفكرية الكبرى(اليسار والقوميون والاسلاميون) لا تزال مشغولة بمعركة سبعينية. يحكمها السعي إلى قتل الآخر قبل التفكير في توليد الثقافي الجديد. يفترض أن الثورة خلَّقته في رحم المعاناة ولذلك فإن ما أتابعه الآن لا يخرج عن أدب كيدي وفن سجالي همه الأول أن يثبت أن الآخر لا يستحق الحياة. مازال اليسار متمترسا بأجهزة الدولة يستفيد وحده من أعطياتها(وزارة الثقافة)ومازال الإسلامي يعيش وضع الضحية المقهور فضلا على أنه عاجز بعد عن كسر فتوى التحريم إلا في مجالات ضيقة.
غير مؤسسة لمشروع. والمؤسف أنه في الوقت الذي يجب أن تطلق الثورة معركة بناء الديمقراطية الضامنة للانطلاق الابداع وتطوير الثقافة نجدها تتعرض إلى عوائق كاسرة من جهات هي في الأصل سبب الخراب الثقافي والفني العربي التي فرضت ذوق روتانا على المتلقي فلم ينج منها الا ذو بصيرة قصير اليد على الرد الثقافي.
في منطقة الحلم نتخيل أن الخطوة الأولى لمشروع ثقافي عربي جديد هي كسر ذهنيتين سقطتا فعلا بالتقادم وإن تمسك بهما الورثاء. هما ذهنية تحريم الديني (وهذه مهمة الإسلامي الجديد) وذهنية الإقصاء (وهذه مهمة اليساري الجديد). بكسر هذين العائقين نعتقد أن معركة ثقافية مختلفة ستنطلق لا يزايد فيها أحد على أحد وستكون كفيلة بميلاد ثقافة عربية للقرون القادمة. تجتمع فيها روافد النضال الاجتماعي بالانتماء القومي وبالتأصيل الأخلاقي الرافض للإسفاف الحسّي والمعلي لروح الإسلام الإنساني.