النخب والشعب

Photo

توجد قطيعة بل أخدود غير قابل للتجسير بين النخب العربية وبين شعوبها. وكلّما جدّ جديد في السياسة أو في الاجتماع إلا وانكشفت هذه القطيعة وتعرّت وعاد السؤال الممض للبحث العلمي كما لأهل السياسة لماذا تختلف طموحات الشعوب عن تفكير نخبها وما السبيل إلى تجسير الهوة؟ أم هل أن الشعوب ستلفظ نخبها الموجودة الآن وتصنع لها نخبا أخرى ولسائل أو يوّسع الأسئلة كيف يمكن بناء نخبة جديدة دون القطع مع نفوذ النخبة الحالية (المنبتة عن شعوبها) هل يكفي انتظار الزمن ليفعل فعله الهادئ فيغير ويفرض مسارات جديدة بنخب جديدة لمجتمعات جديدة.

لقد أثيرت الأسئلة عند مناقشة قانون تجريم العنف ضد المرأة والمصادقة عليه في برلمان تونس خلال الأسبوع الأخير من شهر يوليو (جويلية) 2017. وتحوّل البرلمان ومقترحو النص بسببه إلى موضوع للسخرية والتندر في المواقع الاجتماعية وهي الأداة التي تسمح للنخب المتوسطة والنخب غير الأكاديمية عامة بالتعبير عم مواقفها دون رقيب نخبوي ممن يحتكرون التسمية بحكم الدبلوم العلمي أو بحكم المنحدرات الاجتماعية الأرستقراطية.

في باب السخرية من النص

تجريم العنف ضد المرأة هذا هو العنوان ولكن بالدخول في التفاصيل نجد الفصل الأكثر إثارة للسخرية وهو فصل يوصّف أي لفظ يوجه لامرأة في فضاء عام فيخدش حياءها جريمة موجبة لعقاب بدني وعقاب مالي يصل إلى ألف دينار والعود يضاعف العقاب. ذهب الخيال الساخر إلى حدود غير معقولة. فالتنازل في وسيلة نقل عام لامرأة بدينة ودعوتها للجلوس قد يخدش حياءها ويذكرها بوزنها المفرط في عالم النحيفات ويدخل تحت باب الجرم المشهود.

ولن ندخل في جدل قانوني هنا حول تحديد مكان الفضاء العام الذي تلتقي فيه النساء بالرجال ولكن متروك للمرأة هنا أن تحدد نوع اللفظ الذي يخدش حياءها. واللفظ الذي تسمح بسماعه عند الحديث. فهي خصم وحكم في قضية قد يكون فيها الرجل متغزلا بجمالها أو مبدئا إعجابا بنية الزواج الشرعي. ولكن المشرع أبقى لديها حق التأويل وما عليها إلا إثبات الجرم. وهذا موضع آخر للسخرية. من سيعاين الجريمة الموجبة للعقاب. هل تضع الدولة شرطيا وراء كل امرأة أم يكفي أن تدعي لتصدق ويكذب الرجل. إنها مرة أخرى الخصم والحكم وما على القاضي إلا إقامة مجالس القسم على المصحف لفرز الحقيقة من الباطل.

لقد كان واضحا أن صيغة النص أعدتها امرأة لامرأة وليس فيها إلا وجهة نظر واحدة ورغم أن المناقشة كانت رجالية إلا أن الظاهر أن رجال البرلمان خشوا معارضة النص خوفا من زوجاتهم.(وهذا سخرية السوشيال ميديا) أو خوفا في الواقع من الجهة التي اقترحت النص وهي ليست جهة قانونية بل جهة سياسية بامتياز لو كشط عنها الملاحظ بعض القشرة لوجد نخبة متمترسة خلف مواقع نفوذ مالي وثقافي وسياسي وقادرة على فرض رؤاها للدولة وللمجتمع وهي في مواقعها المتعالية دون أدنى معرفة بالمرأة في مجتمعها وماذا تريد المرأة فعلا.

العنف جريمة ولكن الفقر جريمة أكبر

يتبادل يساريون من نخبة النخبة التهاني بصدور القانون ويعتبرونه إنجازا عظيما صبرت (حرائر) تونس طويل وناضلت للفوز به. بينما استيقظت فجأة كل الانتقادات ذات المنحى الأخلاقي لسلوك المرأة فهي سبب التحرش بها وليس الرجل من (يرمي) نفسه عليها باطلا.

والموقفان لا يخرجان عن منزع الصراع الأيديولوجي القائم في البلد بين اليسار وأعدائهم (الإسلاميين) لقد أغاظ اليسار الإسلاميين بإصدار النص وهو يتبادل التهاني. ( اليسار يقترح هذا النص من أول الثمانيات ولم يفلح في وضعه على جدول برلمان بن علي رغم أن الإسلاميين حينها كانوا وراء القضبان)لكن النص مر في برلمان يسيطر عليه الإسلاميون غير أن كل هذا جدل ونقاش وحزازات خارج الموضوع.

العنف جريمة ولكن جريمة الفقر والحاجة هي التي تخلق بقية الجرائم. وهذا الأمر غاب عن اليسار وعن اليمين ويغيب في كل الأوساط النخبوية التي تمكنت من مصادر رزقها المرفهة وليس لديها أي داع لممارسة العنف على زوجاتها أو على أبنائها ولديها فوق ذلك من الوقت ما يكفي لتفكر في مجتمع خال من العنف دون الإشارة إلى الفقر كسبب له.

هنا تتجلي لنا القطيعة التي نود فهمها. إن الربط بين الفقر والعنف ليس إعادة اكتشاف للعجلة بل هي أوليات الدرس الاجتماعي وطلبتنا في الخدمة الاجتماعية يتلقون هذا الدرس في الأساسيات ويدربون على أنه معالجة الفقر من الأساس تحل بقية المشاكل المترتبة عنه وأهمها العنف ليس على المرأة فقط بل كل ممارسات العنف الاجتماعي.

النخبة تعتقد العكس إذا وضعت قانون لمنع العنف (داخل البيت) أو خارجه سينتهي العنف تلقائيا فالناس تزجر فتنزجر. هدد بالقانون سيستقيم المجتمع. لقد كتب محمد الشرفي أكبر منظري اليسار ومدرس القانون الذي مرت بين يديه أغلب أجيال العاملين بالنص في تونس الآن هذا الأمر ونظر له بحكمة فوقية في كتابه المدخل لدراسة القانون الذي يعتبر مقررا مدرسيا لكل داخل لكليات الحقوق.

ضع النص يستقيم المجتمع أما المقدمة الموضوعية اقض على الفقر يتلاشى العنف فتبدو مقولة شعبوية لا تخدم مصلحة النخب التي تتمتع بتخيلات عبقرية حول جمهورية أفلاطون ليس فيها إلا كل دلال و متعة.

هنا قطيعة النخب العربية مع شعوبها. لقد فكر المتعلمون أن تعليمهم يسمح لهم بالقيادة من فوق وليس على الشعوب الأمية الجاهلة (البكماء) إلا أن تتبع.

تعيش الشعوب همومها اليومية ولا تسأل عن القانون السائد. فهي في عالم غير عالم النخب.

عالمان وقطيعة.

صورة العالم مقلوبة في عقل النخبة

هكذا أفسر الغربة القائمة بين من يعالج الجريمة الاجتماعية بنص قانوني وبين من يعالج أسبابها على الأرض. البرلمان الذي صادق على تجريم العنف ضد المرأة ونسي جريم العنف السياسي وعنف النخب ضد المجتمعات هو برلمان نخبة فصّلته على هواها ليؤدي المهام التي تريدها أن يؤديها (غير مهم هنا أن يكون البرمان خليطها من الإسلاميين والليبراليين وبعض اليسار) فكلهم نخبة ترى العالم مقلوبا إذا قالت له قم سيقوم ( نوعا من الربوبية القانونية المستعارة من دور الشامان الأفريقي القديم أو الساحر الفرعوني) للتفصيل فقط النخبة التونسية هي تلميذة النخبة الفرنسية التي قتلت الله وحلت محله.

بورقيبة (ابن الجامعة الفرنسية) فعل ذلك بكل أريحية وهو نخبة النخبة والنخبة الحالية تراه ربا صغيرا وتقيم له التماثيل. هو أول من شرّع للتغير بالنص وهو الذي زرع فكرته في عقول نخبته(اتباعه) التي لا تزال ترى العالم منظما في نصوصها لكي لا ترى فوضاه في الواقع.

العنف ضد المرأة جزء من العنف الاجتماعي وتجريم جزء دون البقية من عمل النخبة وليس من عمل الإصلاح الاجتماعي لبناة الدول. الدول تبنى بالعمل لا بالنصوص وهنا افترق طريق النخبة التونسية (يمكن التعميم بكل يسر على النخب العربية فبورقيبة نسخ كثيرة)

هذا الأخدود سيتسع لأن المعالجات القانونية مثل تجريم العنف ضد المرأة لن يقضى على العنف إنا نرى العنف يزيد وما كان على استحياء صار موجة عارمة.(لنقرأ نسب الطلاق في تونس) لن يصالح القانون زوجين اختلفا بسبب ضعف مداخيل الأسرة فتفجر العنف بينهما ولن يمهد القانون لحياة نوعية محكومة بشكل رومانسي بين عشاق (هذا كان في أدب الرومانسية للقرن 18).

البلد فقير وفئات كثيرة تفقر باستمرار وسيكون هناك موجات عنف غير معقولة ليست المرأة إلا من بعض الضحايا ليس لكونها امرأة بل لكونها شريكا في مجتمع فقير. تتحمل جزءا من كلفة فقره دون تمييز نوعي

في الأثناء ننتظر أن يخلق نخبة اليسار نصا آخر لترتزق منه 40سنة أخرى ثم يصادق عليه برلمان من الإسلاميين.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات