هل المثقفون خونة ام مرتزقة

Photo

الثورة العربية تعيش ورطة ثقافية كبيرة. لقد ولدت بلا مشروع ثقافي وما كان لها فقد كان المثقفون قبلها في المعسكر الخطأ وها قد تبين انه ما من ثورة بلا مشروع تغيير للعقول وللقلوب بواسطة ثقافة جديدة. فمن يقترحها وكيف. لكن هل يمكن برمجة الثقافة بشكل قَبلي أم أنها مسار يتولد من مسار آخر أقوى تأثيرا يتخلق في خضم الحركة ويستعين بها ويتفاعل معها فيقتدي بها ويقودها. لقد تأخر سؤال الثقافة العربية الجديدة فعادت ثقافة ما قبل الثورة لتهمين وتعيد إنتاج الرداءة السائدة و يسقط المشروع في التباكي على الاحتمالات المهدرة كما حصل منذ قرن. كأن المثقفين العرب ولدوا للبكائيات الطويلة دون قدرة على الاستباق والقيادة.

المشهد كما ظهر في رمضان 2016 .

لم يختلف رمضان 2016 عن سابقيه. بل لعله إعادة بث لرمضان السابق.نفس الوجوه التلفزية نفس الدراما نفس الممثلين نفس الكليشهات الإشهارية وجبة تتكرر يجبر المشاهد العربي على متابعتها كأنها وجبة سجن. العنصر الوحيد المستجد في المشهد هو عملية تحقير منهجية لما قام الشباب في مصر وتونس خاصة من ثورة سلمية عصفت في مرحلة منها برؤوس الأنظمة الحاكمة. هناك نغمة يتم الإلحاح عليها بقوة إن ما حصل ليس ثورة بل هو فوضى وتخريب وأن من قام به مخربون لا ثوار بل هم كائنات موجهة من الخارج ضمن مؤامرة كونية على استقرار بلدانهم ورقيها الذي كانت تضمنه أنظمة مثل نظام مبارك وبن علي والقذافي.

أمام هذا التحقير المنهجي للثورة وللثوار لم يرتفع خطاب مضاد يزكي ما حصل لم يقم للأمر فنانون خاصة في الإنتاج الدرامي يذودون عن الثورة ويكرمون رجالاتها وشهدائها ويبشرون الناس بفضلها على الحريات المستعادة وعلى إصلاح حالات الأوطان المخربة.

لقد تبين أن رمضان( الذي كان في تراث الأمة شهر جهاد وفتوح) قد صار شهر ثورة مضادة بامتياز وأن قائمة الفنانين والمعبرين عن ثقافة الأنظمة السابقة يقودون هذه الثورة ويثبطون كل أمل قد تنتجه في التغيير. يبدو الامر أكثر جلاء في مصر وإنتاجها الدرامي الغزير ولكنه أشدُّ فتكا في تونس لأنه ينافق الثورة ويطعنها بلطف خفي فيسري في نفوس الناس منه سم زعاف.

لقد اتجهت الأعمال الدرامية والهزيلة (أو المتظاهرة بالهزل) إلى قاع المجتمع وصورته كقيعان الجحيم فليس فيه إلا الجريمة بكل ضروبها. كما مارست التحقير التقليدي لكل ما يمت إلى الثورة بصلة مع شحن الامر بروح عبثية تدفع المشاهد إلى الندم على التفريط في السلام الذي كان مهيمنا في ظل نظام بن علي. بحيث انتهوا به إلى الاختيار الفاسد بين بطنه وحريته وإجباره دون نقاش حقيقي على البحث عن الشبع الحسي والتخلي عن حرية غير مجدية بل حرية ضارة لا نفع منها فهي لغو أطفال لم ينضجوا ولن يبلغوا العقل ( عقل بن علي الجبار الذي كان يحسن تدبير البلد فيبيت الناس شباعى).

إن الخلاصة التي دفع الناس إليها بفعل هذه الفرجة الموجهة هي ماذا نفعل بالحرية فالحرية مرادف للفوضى والألم والخوف والجوع لقد أفلح المنتجون والفنانون في تثبيت ذلك حتى صار كل منتم للثورة أو مغرم بخطابها شخصا مجذوما يحبذ عدم الجلوس إليه.

هل المثقفون خونة أم مرتزقة؟.

إن إحدى أهم نتائج الثورة هي نسف وهم كبير كان مسيطرا على التحاليل الفكرية. وكان الناس يقيسون به المثقفين وصفوة أهل الفن خاصة. كان المثقف والفنان محسوبا على الأفكار المستنيرة وعلى تمجيد الحرية والتحريض على طلبها والسبق في مضمارها. وكان يكفي ليقول ذلك على ركح مسرح (ضمن دور) أو في لقطة فيلم أو في درس جامعي أو رواية أو قصيدة ليسلم له الناس بأنه قائد من قادة الحرية يجب الإيمان به والانقياد له. الثورة غربلت كل هؤلاء ونخلتهم. فلم نجد من زعماء الحرية الموهومين إلا مرتدا يمجد الدكتاتورية وها نحن نشاهدهم مصطفين ضد شعوبهم ومع أكثر الأنظمة فاشية.

إن تنظيرات قرامشي حول المثقف ودوره تسعفنا هنا ببعض الضوء فقد كنا نحسب هؤلاء الفنانين ضمن المثقفين العضويين الطلائع القائدة. بالنظر إلى منتوجهم الذي يقتحم علينا بيوتنا لكن امتحان الثورة أسقطهم في الحضيض إذ تبين أنهم قادة المحافظة على الموجود ورفض كل تغيير مهما قل شأنه. بل هم في لحظة الحرج انقلبوا على أعقابهم لحماية مصادر رزقهم ومجدهم الشخصي على حساب كل ما روجوه سابقا وتعتبر حالة عادل إمام حالة مثالية للفنان (المثقف) المرتد إلى حضيض التكسب الخالي من كل فن أو بطولة .

إن قراءة مادية تبدو لي أكثر جدوى هنا فهؤلاء الفنانين (كعينة من المثقفين) انتموا بحكم المكسب إلى طبقة اجتماعية متوسطة ومرفهة (بحسب الأجور والاستثمار) وقد قبلوا من أجل ذلك أن يكونوا مستخدمين عن شركات الإنتاج (طبقة أرقى أو برجوازيات منتجة للفن ) وقد وضعهم فنهم في مكانة يحبونها ويحرصون عليها. وقد صارت هدفا في ذاتها(الشهرة والمجد والأضواء والمال) وكل تغيير اجتماعي مادي أو رمزي قد يخلخل هذه المكانة يصبح عنصر تهديد ويجب مقاومته. ولذلك فإن النظام الذي يحفظ هذه المكانة هو نظامهم ويجب الذود عنه وتشويه كل من يخالفه طارحا تغييرا قد يعصف بالمكتسب .

الانحياز إلى الثورة المضادة الذي شاهدنا في رمضان اختيار يعرف أصحابه ما يريدون. ولديهم خطتهم للحفاظ على مكانتهم المضمونة مع نظامي السيسي والسبسي وكل من سار على دربهما إنه اختيار واع بأهدافه ولا يتورع عن أية وسيلة مهما كانت قذرة للبقاء حيث هو ولا يهم هنا بالمرة أن كان الممول مالا نفطيا أم صهيونيا أم فستقا إيرانيا.

إننا إزاء طبقة من المثقفين والفنانين المحافظين بالمعنى القرامشي وإزاء طبقة برجوازية صغرى رجعية بالمعنى الماركسي الكلاسيكي لا يمكنها أن تغامر بالتغيير ولا يهم هنا أن كانت مرجعياتها الفنية المعلنة يسارية أو يمينية. بل لعل ذوي المرجعية اليسارية في الرواية والسينما والفنون عامة قد كشفوا عن وجه محافظ أشد محافظة من سلفيي حزب النور المصري الذي يحرم الفن ويتابعه خلسة.

هل من أفق ثقافي للثورة العربية؟.

حتى اللحظة يطرح هذا السؤال في مجال التمني بل إن طرحه يفتح الباب على سؤال آخر يسبقه بالضرورة هل كان للثورة مشروع ثقافي يؤطرها ويوجه فعلها الثقافي التغييري؟

الإجابة عسيرة جدا. كما بينت أعلاه فقد كان مثقفون كثر يحسبون على الثورة ويصنفون كمبشرين بها في ما كتبوا وأنتجوا قبل حدوثها. لكنهم في لحظة الاختبار الثوري انحازوا ضدها بما جعل خدع جمهورا واسعا وافقده بوصلته وجعله مشتتا بين خطاب هؤلاء وممارساتهم لذلك نصل إلى السؤال المحرج هل ستنتج الثورة ثقافتها ومثقفيها؟

من السهل الصراخ بنعم يجب أن تفعل الثورة ذلك والآن فورا. لكن على الأرض وفي الخضم الكاسح للثورة المضادة التي تدخل بيوتنا عبر التلفزات العمومية التي نمولها بمالنا لا توجد وصفة جاهزة لإنتاج ثقافة ثورة وترويجها دراميا وفنيا. لكن

هناك بديهيات يجب البدء منها كخطوة أولى.

أهمها أن الثقافة العربية حتى الآن غارقة في صراع اليسار ضد اليمين الديني وقد آن الأوان للخروج من هذه المحرقة الثقافية التي عطلت كل شيء.وجعلت مثقفين كثر يتسابقون في مرضاة الأنظمة الفاسدة نكاية في خصوهم الإيديولوجيين.

إن البرجوازي العربي والذي صنعته أنظمة فاسدة ليس مستعدا للرقي الفني والثقافي ولا يجب الاعتماد عليه في تمويل ثقافة ثورة وتبينها انه الحالة النقيض للبرجوازي الأوروبي الذي مول الفكر والثقافة في عصر النهضة الأوروبية.

والاهم من كل هذا التوقف عن وهم كبير موروث من عهد النبوءات يقوم على انتظار فعل المثقف في الجماهير وقيادها نحو الحرية. فمن بركات الثورات أن علمتنا أن المثقف تاجر صغير يعيش بعقل مدقق حسابات.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات